وأمّا عن الثاني ، فهو أنّ السنّة ما أوجبت الغسل ، ودعوى إجماع الأمّة كاذبة ساقطة ، وكذا دعوى عدم المسح عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله أو أصحابه ، وكيف لا ؟ مع ما تقدّم من مخالفة جماعة من الصحابة والتابعين ، ورواية حذيفة وأوس بن أبي أوس ، وحكاية ابن عبّاس وضوء سيّد المرسلين ، وما ذكره من الحديث فهو من قبيل الآحاد عندهم ، ومجمل لا يدلّ على وجوب غسل الأعقاب في الطهارة الصغرى دون الكبرى ، ويحتمل أنّه وعيد على ترك غسل الأعقاب في الجنابة .
وقد روى قوم أنّ أجلاف الأعراب كانوا يبولون وهم قيام ، فيترشّش البول على أعقابهم وأرجلهم ، فلا يغسلونها ويدخلون المسجد للصلاة ، فكان ذلك سببا لهذا الوعيد .
ولو فرض دلالته ، فهو غير ثابت عندنا ، ومعارض بما تقدّم من الأخبار من طرقهم ، فكيف يجوز الرجوع عن ظاهر الكتاب المعلوم بمثله .
ومن العجب أنّا متى عارضناهم بأخبارنا ، قالوا : ما نعرفها ولا رواها شيوخنا ولا وجدت في كتبنا ، ويلزمونا أن نترك بأخبارهم ظواهر القرآن ، ونحن لا نعرفها ولا رواها شيوخنا ، ولا وجدت في كتبنا ، ولا يجيزون لنا أن نعارض أخبارهم التي لا نعرفها بأخبارنا التي لا يعرفونها ، فهل هذا إلّا محض التحكّم .
وأمّا عن الثالث ، فهو أنّه خطأ ؛ لأنّ ذلك إنّما يجوز إذا استحال حمله على ما في اللفظ وحقيقته ولا استحالة هنا .
وأمّا عن الرابع ، فلأنّا لا نسلّم أنّ الغسل أخصّ من المسح ، فإنّ فائدة اللفظتين في الشريعة مختلفة وفي اللغة أيضا ، وقد فرّق اللّه تعالى في الآية الطهارة بين الأعضاء المغسولة والممسوحة ، وفصّل أهل الشرع بين الأمرين ، فلو كانا متداخلين لما كان كذلك ، وحقيقة الغسل توجب جريان الماء على العضو ، وحقيقة المسح تقتضي إمرار الماء من غير جريان ، فالتنافي بين الحقيقتين ظاهر ؛ لأنّه من
التوضيح الأنور بالحجج الواردة لدفع شبه الأعور — صفحة 309
مساهمون: الشيخ خضر الرازي الحبلرودي
ص٣٠٩