المعصية ليست ممّا يفعل ، فلا دلالة له على نفيه أصلا ، فضلا عن أن يكون كافيا عن باقي أدلّته ، فانظر إلى عناد الخارجيّ الأعور ، أو جهله وقلّة بصيرته .
وأمّا السادس ، فلوجهين :
أحدهما : أنّ معارضة السلطان المخلوق فيما ينكره الخلق ، إنّما هو لخوف سطوته وظلمه وعلّته ، فلا يقيس عليه خالقه ورازق بريّته إلّا أعمى القلب لعوره وخبث سريرته .
الثاني : أنّ في كلامه تناقضا ظاهرا ؛ لأنّ قوله « كلّ أفعاله واقعة على وفق الحكمة » يقتضي أن يكون عدلا حكيما منزّها عن القبائح والمعصية ، وهو بصدد إثبات نقيضه ، من أنّ المعاصي واقعة منه تعالى بالإرادة .
وأمّا السابع ، فلأنّه لا استحالة في كون إبليس متصرّفا في الأكثر ، بل يؤيّده قوله تعالى :
وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
« 1 » .
وما ذكره من الكلمات وهم محض ؛ لأنّه تعالى وإن خلّى بين إبليس وبين عباده ، ليس عاجزا عن دفع شرّه وفساده ، بل هو من أقلّ مماليكه وأفقر صعاليكه .
وأمّا الثامن ، فلأنّه لا يلزم من وقوع المعاصي بإرادة الشيطان إثبات ربوبيّته وعجز الباري تعالى ؛ لأنّه ما أراد عدم وقوعها بالإرادة الجازمة ، بل إنّما أراد أن يمنع العبد منها ومن متابعة الشيطان باختياره وإرادته ، فإن لم يلزم كفر من اعتقد وقوع المعاصي وأنواع القبائح من اللّه سبحانه وتعالى مع مخالفته لكثير من الآيات وقواطع الحجج والبيّنات .
فكيف يلزم كفر من اعتقد تنزيه الباري سبحانه عنها وتشبّها إلى الشيطان وغيره ؟ وقد قال سبحانه وتعالى :
أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ
هامش
( 1 ) سورة الحجر : 39 - 40 .