ومخالفتها ، كما قال اللّه تعالى :
أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي
« 1 » ولم يقل فعصيت إرادتي ، وقال اللّه تعالى :
لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ
« 2 » ولم يقل لا يعصون اللّه ما أراد منهم ويفعلون ما يراد منهم ، فإذا خالف الإنسان الأمر ووافق الإرادة في المعصية ، استحقّ العقاب بمخالفة الأمر ، فلا لوم على المعاقب لموافقة العاصي إرادته ، فانتفى الظلم لما عرفت من معنى القرآن في الآيتين المذكورتين .
قالوا : كيف يؤمر بما لا يراد ؟ وهو عبث .
قلنا : بحسب عقولكم الفاسدة ؛ لأنّ مثل ذلك واقع من اللّه تعالى واقعا له صادرة بالحكمة ، كما أمر الخليل بذبح ولده إسماعيل عليه السّلام ، وقد علم أنّه من الأزل لم يرده .
الحادي عشر : أنّ اللّه تعالى نهى عن أذى العباد ، ومن الأذى ما هو واقع وحده في العالم الخالي من المعصية ، كالأطفال والأولياء وفي العاصي ، وليس للمخلوق فيه عمل ولا إرادة قطعا ، كالأمراض من السقم والعمى والصمّ والخرس والعرج ونقصة الخلق في الأجسام ونحوها ، كالحوادث الواقعة من الحرق والغرق والسقوط من علوّ والهدم المهرق ونحو ذلك ، ومن ذلك الموت الذي لا أذى أعظم منه ، وبالإجماع العامّ ما على اللّه تعالى في شيء من ذلك لؤم ، فلا ينسب إليه الظلم ، فكيف ينسب إليه الظلم فيما يريده وهو كتب لغيره ؟
قلت : هذه الحجّة أيضا من جملة ما ذكروه على أنّ العبد ليس مخيّرا في فعله لا على نفي إرادته ، كما توهّمه الأعور .
وتحقيقها : أنّ العبد لو كان مخيّرا ، وكانت المعاصي بخلقه تعالى فيه ، لم يعذّب عليها ، والثاني باطل وفاقا . فكذا المقدّم ، والملازمة ظاهرة ، فإنّ من أعظم الظلم أن يعاقب أحد غيره على فعل نفسه ، فسقط جميع ما ذكره الأعور ؛ لعدم بصيرته
هامش
( 1 ) سورة طه : 93 .
( 2 ) سورة التحريم : 6 .