الثالث : قوله تعالى :
وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
« 1 » أي : سواء عليكم أجهرتم أو أسررتم ، ألا يعلم أفعالكم من خلقها .
الرابع : قوله تعالى :
. . . أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ . . .
« 2 » أي :
خلقكم وخلق عملكم .
قالت المعتزلة : ليست « ما » هاهنا مصدريّة ، وإنّما هي موصولة ، أي : خلقكم وخلق الذي تعملونه ، يعني الأصنام استحقارا بها وتوبيخا لمن يعبدها ، وهذا هو الغرض .
قلنا : كونها مصدريّة لا ينقض شيئا من هذا الغرض ، بل هو أبلغ في المعنى ؛ لأنّه إذا كانت أفعال العباد مخلوقة للّه تعالى والأصنام مخلوقة للأفعال ، كانت الأصنام مخلوقة بخلق اللّه تعالى ، ولا شكّ أنّ ذلك أبلغ في تحقير الأصنام كونها مخلوقة المخلوق ، وفي توبيخ من يعبدها كونهم يعبدون مخلوق المخلوق .
قلت : اختلف الناس فيما يوجد عن العباد من الأفعال على ثلاثة أقوال :
فمذهب العدليّة في هذه المسألة : أنّ اللّه تعالى خلق العباد ، وخلق فيهم القدرة والإرادة ، وأمرهم تخييرا ونهاهم تحذيرا ، فإن فعلوا الخير فبتوفيق من اللّه تعالى وإعانته ، وإن فعلوا الشرّ فمن أنفسهم وسوء اختيارهم ، وإنّ أفعالهم على قسمين :
اختياريّ ، واضطراريّ .
فمذهب المجبّرة والأشاعرة : أنّ جميع الأفعال الواقعة خيرا كانت أو شرّا حسنة أو قبيحة من اللّه تعالى ، وبقدرته لا قدرة للعبد أصلا عند المجبّرة .
وأبو الحسن الأشعري لمّا الزم بإلزامات متعدّدة عقلا ونقلا على كون الأفعال كلّها صادرة من اللّه تعالى ، رجع عن مذهب الجبر الذي قال به جهم بن صفوان ،
هامش
( 1 ) سورة الملك : 13 .
( 2 ) سورة الصافّات : 95 - 96 .