واعلم أنّ ما ذكره الأعور من الاحتجاج على خلق القرآن ، مختلق « 1 » لم يوجد في كتب أهل العرفان ، مشبّه بكلام الأشاعرة ، حيث يقولون : الكلام عبارة عن الحروف والأصوات ، لحدوثها واحتياجها إلى الجارحة الممتنعة عليه تعالى ، بل غيّر كلامهم بالتحقيق بتغيّر المدّعى ؛ لأنّه إنّما يتوهّم احتياجه إلى الحلق واللسان والشفة إذا كان صوتا وحرفا ، والأجوبة التي ذكرها باطلة .
الأوّل : فلأنّ لزوم الكفر من ذلك القول وهم فاسد ؛ لأنّه ما شبّه الخالق بالمخلوق ، بل استدلّ بالشاهد على الغائب ، ولو كان ذلك كذلك لزم كفر الأشاعرة حتما ، والأعور منهم ، فيلزم كفره أيضا .
وأمّا الثاني ، فلأنّ خروج الكلام من شجرة بلا جارحة ، إنّما يجوز خروجه عن الباري تعالى كذلك إذا لم يعتبر الحدوث ، وكون المتّصف به محلا للحوادث ، وأمّا إذا اعتبر ذلك ، فالفرق ظاهر .
وأمّا الثالث ، فلأنّ الإضافة يكفي فيها أدنى ملابسة ، فلا يلزم كذب قولنا « كلام اللّه تعالى » على تقدير أن لا يكون خارجا من ذاته ويكون موجدا له ، وإلّا امتنع أن يقال : عيسى روح اللّه وكلمته وحزب اللّه وأولياؤه .
وأمّا الرابع ، فهو مصادرة على المطلوب ؛ لأنّ الذي ذكره هو عين المتنازع فيه ، وكلام البلغاء قد سبق البحث عنه .
وأمّا الخامس ، فلأنّ كماليّة الكلام ونقص الخرس لا يتصوّر إلّا بالنسبة إلى من يوصف بهما ، ولا يوصف بالخرس من ليس له جارحة اللسان وفاقا ، فهذا قياس مع الفارق ، ويلزم من هذا الوجه كفر الأعور باعتقاده ؛ لجريان ما ذكره في الوجه الأوّل هنا بعينه ، بأن يقول نشبّه الخالق المنزّه عن اللسان ولوازمه بالأجسام
هامش
( 1 ) في « ق » : مختلّ .