وكلّ موجود : إمّا واجب الوجود ، أو ممكن ، فإن كان ذلك المعنى واجب الوجود ، لزم الأوّل . وإن كان ممكنا لزم الثاني ؛ لأنّ الممكن وجوده من غيره محال إيجاد الغير إيّاه لم يكن موجودا ؛ لاستحالة تحصيل الحاصل ، فلا وجود الممكن سابق على وجوده ، وهو المعنى الحادث ، ويلزم من امتناع كون الواجب تعالى محلا للحوادث ، بطلان مذهب الكراميّة .
وأمّا قول الحنابلة ، فيدلّ على بطلانه وجوه :
الأوّل : أنّ الكلام إذا كان مركّبا من الحروف والأصوات يلزم حدوثه ؛ لأنّه عرض لا يبقى ، ويعدمه السابق بوجود اللاحق ، فكيف يكون قديما ؟ وهو لا يعدم ولا يكون مسبوقا بغيره .
الثاني : أنّ كلّ مركّب محتاج إلى أجزائه وهي غيره ، وكلّ محتاج إلى الغير ممكن ، وكلّ ممكن حادث لما تقدّم .
الثالث : أنّه لو كان قديما لكان صيغة قوله تعالى
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً . .
« 1 » موجودة في الأزل ، دلالة على إرسال نوح في زمان سابق على الأزل ، ولا زمان سابق على الأزل ، فضلا عن أن يكون الإرسال واقعا فيه ، فيلزم الكذب في إخباره ، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا .
الرابع : أنّه لو كان قديما لكان الباري أمرا مع عدم المأمور ، واللازم باطل ؛ لأنّ أمر المعدوم عبث قبيح ، وهو سبحانه منزّه عن القبائح .
الخامس : ما تقدّم من قوله تعالى :
ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ
« 2 » وهو يبطل مذهب القائلين بالقدم مطلقا .
هامش
( 1 ) سورة هود : 25 .
( 2 ) سورة الأنبياء : 2 .