يلتذّ بسماع صفة المحبوب الجاذبة للقلوب وإن لم يره ، وقد مدح الباري تعالى الذين يؤمنون بالغيب دون الرؤية ، بلا شكّ ولا ريب .
والجواب الذي ذكره عن لزوم الجهة في غاية الركاكة ، وذلك لأنّ قوله « لا خلاف في أنّه تعالى يرى العباد ، فإذا جاز أن يراهم مع تنزيهه عن الجهة ، جاز أن يروه كذلك » مغالطة ظاهرة ، وقياس فاسد ؛ لأنّه إن أراد أنّه لا خلاف في أنّه تعالى يرى العباد بالبصر ، فلا خلاف في بطلانه وحقّيّة خلافه ، ولو فرض صحّته فلا يلزم أن يحصل للعباد رؤيته لحصول شرط الرؤية وهو كثافة المرئيّ ، أي : كونه ملوّنا بالنسبة إليه دونهم .
وإن أراد أنّه تعالى يراهم ، بمعنى أنّه يعلم بذواتهم وأحوالهم ، ومحيط بأقوالهم وأفعالهم ، فهو مسلّم ، لكن لا تعلّق له بالرؤية البصريّة منهم ، لا نفيا ولا إثباتا فضلا عن استلزام الجواز ، فهذا ممّا تضحك منه الثكلى ، ويسجّل على الخارجيّ الأعور بغاية الجهل ونهاية العمى .
عدم خلق القرآن
قال الأعور : ومنها : خلق القرآن ، احتجّوا أنّه لو لم يكن مخلوقا كان اللّه متكلّما به ، والكلام يحتاج إلى حلق ولسان وشفاه ، وذلك يستلزم التجسيم ، والجسم منتف عن اللّه تعالى .
والجواب من وجوه :
الأوّل : أنّ في كلامهم ؛ لقياسهم الخالق بالمخلوق ، وتشبيهه به ، وهو ليس كمثله شيء ، وهو قادر على كلّ شيء ، فلا استحالة في أن يقدر على الكلام من غير جسم .
الثاني : يدّعون أنّه خلقه في شجرة ، وهي لا شيء لها من ذلك ، جاز أن يخرج من الباري تعالى لا شيء من ذلك بالطريق الأولى .
الثالث : أنّه لا خلاف في أن يقال القرآن كلام اللّه تعالى مضافا إليه ، ولو لم يكن