إذا تقرّر ذلك ، فاعلم أنّ منشأ كلمات الخارجيّ الأعور هنا سوء الفهم ، وقلّة التدبّر ، وعدم الاطّلاع على المعنى .
فكم من عائب قولا صحيحا * وآفته من الفهم السقيم
وأمّا ما ذكره من وجوه الكذب ، فهي فاسدة .
أمّا الأوّل : فلأنّ إذا كان أبوه أكثر الخلق محبّة له كما اعترف به ، لزم أن يكون مؤمنا كامل الإيمان ؛ للأحاديث المتقدّمة الصحيحة ، والدلالات القاطعة الصريحة ، ومع هذا القول بأنّه من أهل النار للحديث المفترى على النبيّ المختار ، باطل ، وإلّا اجتمع النقيضان ؛ لأنّه لا يكون كذلك إلّا مع الكفر والعصيان .
وأمّا الثاني : فلأنّا لا نسلّم أنّ كلّ الأمّة يبغضون عليّا عليه السّلام بل بعضهم ، فإن كان الأعور وغيره ممّن ذكره مبغضين له عليه السّلام ، فما يصدر منهم من صور الطاعة محبطة لا تنفعهم في الآخرة أصلا ؛ لكونهم منافقين ؛ لما تقدّم من صحاح الأحاديث والأخبار ، وقال تعالى :
إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ
« 1 » .
ولذا قيل :
بغض الوصيّ علامة موسومة كتبت * على جبهات أولاد الزنا
من لم يقدّم في البريّة حيدرا * سيّان عند اللّه صلّى أو زنا
ولم يمدح القرآن للمبغضين له المنافقين ، بل ذمّهم ولعنهم بقوله :
وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً
« 2 » .
ولم يحصل عمل صالح مع بغض الوصيّ ، ولا خبر معتبر عند الواحد العليّ ، فذلك لا يكذّبه القرآن بل يصدّقه كما مضى ، ويؤيّده قوله تعالى :
. . . لَئِنْ أَشْرَكْتَ
هامش
( 1 ) سورة النساء : 145 .
( 2 ) سورة الفتح : 6 .