أحدها : أنّ قصة النوم مظنونة المتن ؛ لأنّها جاءت مجيء السير والتواريخ ، لو جحدها أحد لم يكفر ، والغار مقطوع المتن ؛ لأنّه نزل به قرآن ، ولو جحده أحد كفر .
ثانيها : أنّ نفس علي في نوم فراش النبيّ كانت كالعادية ، ونفس أبي بكر في الغار كانت كالمساوية لنفس النبيّ ، ولا شكّ أنّ المساوي أعظم من العادي .
ثالثها : أنّ اللّه تعالى عتب في قصّة الغار الخروج معه على كلّ الأمّة ، إلّا على أبي بكر بقوله تعالى
إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ
« 1 » ولم يقل إذ نام أحد مكانه .
رابعها : أنّ اللّه تعالى لم يصرّح بذكر أحد من الآل والصحب بالمدح والصحبة بالقرآن إلّا بذكر أبي بكر بقوله
« ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ »
أو
« يَقُولُ لِصاحِبِهِ »
.
قالوا : قصّة الغار تتضمّن منقصة لأبي بكر حيث قال له :
« لا تَحْزَنْ »
.
قلنا : هذا تأويل من أعمى اللّه قلبه وأضلّه عن الهدى واتّبع هواه ، فإنّ النبيّ لم يقل لا تخف بل قال : لا تحزن ، فالخوف على النفس ، والحزن على الغير .
فإذا تقرّر ذلك ، فالحزن هاهنا من أكبر المدح لأبي بكر ؛ إذ لم يخف على نفسه ، بل كان حزنه على النبي صلّى اللّه عليه وآله .
قلت : ومن الفضائل التي لم تحصل لغير علي عليه السّلام ، وتدلّ على أفضليّته على جميع الصحابة وإمامته ، أنّه عليه السّلام بات على فراش النبيّ صلّى اللّه عليه وآله يفديه بنفسه ، ويؤثره بالحياة ليلة الغار ، حتّى تشرّف بقوله تعالى
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ
« 2 » الآية ، وباهى اللّه به ملائكته ، وقد تقدّم تفسيره وتفصيله .
ويلزم منه تقديمه على الكلّ وتفضيله ، والمفضّل على الكلّ بعد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله هو الإمام ، فلا وجه لتخصيص هذه الصفة وأمثالها بفصل منفرد ، وإفرادها عمّا تقدّم من
هامش
( 1 ) سورة التوبة : 40 .
( 2 ) سورة البقرة : 207 .