أنّه تمّها موجبة الفضيلة العظيمة ومزيّة الخلافة ، ولا يجعلون ذلك لعبد الرحمن بن عوف مع روايتهم أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله صلّى خلفة ، وذلك أنّه كان مضى ليصلح بين قبيلتين من الأنصار ، فعاد وقد فاتته المغرب ، وقدّم الناس عبد الرحمن بن عوف ، فلمّا أتى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله صلّى خلفه ، فلمّا فرغ قالوا : يا رسول اللّه تصلّي خلف رجل من أمّتك ؟
فقال : ما يموت نبيّ من أنبياء اللّه حتّى يصلّي خلف رجل من أمّته .
فيوجبون الخلافة لأبي بكر بصلاته بالناس التي لم يتمّها ، ولا يوجبونها لعبد الرحمن بن عوف ، وعندهم أنّه صلّى بالناس صلاة أتمّها ، والنبيّ صلّى اللّه عليه وآله من جملة من اقتدى به فيها ، ولا يخفى أنّ من رضيه النبيّ صلّى اللّه عليه وآله إماما لنفسه في الصلاة أحقّ بالخلافة ، فمن لم يرض أن يكون إماما لبعض أمّته مع العزل ، أو رضيه للبعض مع عدمه .
وإن شئت قلت : التقديم في الصلاة لا يدلّ على الأعلميّة المطلقة ؛ لحصوله لعبد الرحمن بن عوف ، مع عدمها وفاقا .
وإفتاء أبي بكر في حياة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وتقرير النبيّ إيّاه إن ثبت ، دلّ على علمه بمسائل الفقه ، لا على أعلميّته مطلقا ، وجعل الاخبار بموت النبيّ صلّى اللّه عليه وآله بعد المشاهدة البصريّة وتعيين موضع الدفن من دلائل الأعلميّة ، ممّا يضحك الثكلى .
ومع ما تقدّم في صدر الكتاب من صحيح البخاري وغيره كيف يدّعي أنّ أبا بكر ما نوزع ولا خولف في إمامته .
ولو سلّم ذلك بالنسبة إلى الأكثر ، فهو لا يدلّ على أعلميّته مطلقا ، وسلب مخالفتهم عنه في مسائل الأصول والفروع أعمّ ممّا ذكره ؛ لصدق السالبة أيضا بعدم الموضوع ، ومخالفتهم عليا عليه السّلام لاختلاف آرائهم الفاسدة ، ومتابعة أهوائهم الكاسدة ، كيف لا ؟ وعلي مع الحقّ والحقّ معه .
ولنوضح ذلك بتقرير المسألتين ، والتنبيه على ما هو الحقّ من الطرفين :
التوضيح الأنور بالحجج الواردة لدفع شبه الأعور — صفحة 200
مساهمون: الشيخ خضر الرازي الحبلرودي
ص٢٠٠