ولئن سلّمنا أنّه ليس نبيّا ، فيجوز على أن لا يكون فيه وضع من موسى .
وقال قوم : كان ملكا ، فلا امتناع فيه أيضا ؛ لجواز أن يكون موسى أعلم من الخضر بجميع ما يؤدّي عن اللّه إلى عباده وفيما هو حجّة فيه ، وإنّما خصّ الخضر بعلم ما يتعلّق بالأداء .
وهذا هو الجواب عن قصّة الهدهد وسليمان ، ولجواز أنّ موسى استعلم من جهة ذلك العلم فقط ، وإن كان عنده علم ما سوى ذلك .
ففي قول الخارجيّ الأعور وقرينة موسى كان صاحب الإمامة والنبوّة العامّة والخضر دونه ومن رعيّته ، خلل من وجوه :
أحدها : أنّ النبوّة والإمامة العامّة من خصائص نبيّنا صلّى اللّه عليه وآله ، وموسى إنّما كان مبعوثا إلى بني إسرائيل .
الثاني : أنّه ليس الخضر دونه على الإطلاق ، بل أعظم منه على وجه .
الثالث : أنّه ليس من رعيّته أصلا ، وهذا على تقدير نبوّته أو كونه ملكا ظاهر ، وعلى تقدير غيرهما كذلك ، لاشتراط ذلك بأن لا يكون فيه وضع من موسى .
وأمّا قصّة سليمان وداود في حكم الغنم والحرث ، فلأنّ سليمان أيضا كان نبيّا بدليل
وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً
« 1 » وقد أوحى اللّه إليه ما ينسخ به حكم داود الذي كان يحكم به قبل ، وليس مجرّد تابع كما توهّمه ، فلا دلالة للقصّة على ما زعم .
وشرح القصّة : أنّ الحرث الذي حكما فيه ، قال قتادة : هو زرع وقعت فيه الغنم ليلا فأكلته ، وقيل : كرم قد يبست عناقيده في قول ابن مسعود وشريح .
وقيل : إنّ داود كان يحكم بالغنم لصاحب الكرم ، فقال سليمان : غير هذا أرضي للقوم يا نبيّ اللّه ، قال : وما ذاك ؟ قال : يدفع الكرم إلى صاحب الغنم ، فيقوّم عليه
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء : 79 .