الحادي والعشرون : أنّ بعض هؤلاء المجموعين المخاطبين من بني عبد المطّلب من أسلم كالعبّاس وغيره ، وبايع أبا بكر وبايعه وانقاد لمنصوصه عمر ، وهذا ممّا يؤيّد كذب هذه الرواية .
الثاني والعشرون : أن نقول : إنّ هذه الرواية عن علي رضى اللّه عنه صحيحة على سبيل التسليم للجدل ، ولكنّها لا تقوم حجّة علينا ولا على ثبوت وصيّة واستخلاف لعلي قبل الصحابة المتقدّمين من وجهين :
أحدهما : أنّه لم يوجد إلّا من نقله ، ولم يوجد من نقل أحد غيره ، فهي من قبيل شهادة المرء لنفسه ، فلم يقبل على الاخصام في محلّ الخصام ، فلا يمنع جواز أن يطلب الخلافة لنفسه على ظنّ استحقاقه لها اجتهادا بالطلب إذا استحقّ لغيره ؛ إذ هو ليس بمعصوم .
وثانيهما : أنّ الآية آمرة بالانذار الخاصّ لعشيرة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله الأقربين ، والخطاب بالوصيّة والاستخلاف لعلي رضى اللّه عنه عليهم ، وفيهم دون غيرهم من عشيرته البعيدة وغير عشيرته ، ولا يدخل غيرهم في ذلك ، ألا ترى أنّهم قالوا لأبي طالب : أمرك أن تسمع لابنك وتطيع ، وهم يضحكون .
قلت : الجواب عن الوجهين الأوّلين من وجهين :
الأوّل : أنّ التأليف والجلب ليس إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، بل إلى اللّه تعالى ، وكذا حصول النفع العامّ أو غيره ، كيف لا ؟ وقد قال تعالى :
لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
« 1 »
وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ
« 2 »
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى
« 3 » .
هامش
( 1 ) سورة الأنفال : 63 .
( 2 ) سورة النور : 54 ، وسورة العنكبوت : 18 .
( 3 ) سورة النجم : 3 - 4 .