بلواه وإلّا فهو مسئ مبكت .
فاذن كلّ انسان كانت نفسه النطقيّة غير متّبعة للملاذ البدنيّة ، بل كانت ملتئمة إلى ذاتها ومباينة للبدن في إرادتها ، فانّها لاستحكام ثقتها بمن هو أوّله وآخره ، وصدق موالاتها لمن له الخلق والأمر ، تنال الراحة من الشرور الانسيّة وناء من المخاوف وسلم من الحيرة .
ويشبه أنّ الحكمة أثر من كبرياء اللّه ، ولا كبرياء فوق كبريائه . وإنّ من آثرها وشرّف تزيينها فهو لا يعدّ المال جمالا ولا الرئاسة كمالا ، ولا يخضع لجاه وإن جلّ ، ولا للذّة وإن عظمت ؛ بل لا يعدّ الدنيا وما حوته ثمنا لنفسه الزكيّة . ثم لا يرى كرامته متعلّقة بتزيين بدنه ، فإنّ المرأة قد تتزيّن ؛ ولا بإصابة العطايا الكثيرة ، فإنّ الصبىّ قد ينالها ؛ ولا بأن يتخاضع له الأقران ، فإنّ الفاتك قد تتخاضع له ؛ ولا باستخلاص صنوف الشهوات ، فإنّ الأنعام قد تستخلصها .
لكن يتّجه همّته إلى العناية بتطهّر نفسه واستصفاء أخلاقه واستغرار معالمه واستكمال اداته . ويرى إكرام نفسه متعلّقا بتنحيتها عن العجب والترف ، وتبعيدهما عن الجهالة والجور ، ورياضتها على الانقياد للحقّ وتشريفها بالهداية للخلق ؛ علما منه بأنّ الانسان الكامل هو الّذي استحكمت دربته على هذه السيرة واستولى مرانته على هذه السجيّة ، فإنّ اللّه جلّ جلاله عدل ، ولا يحبّ إلّا العدل ؛ واللّه طاهر ولا يحبّ إلّا الطاهر .
فاذن المؤثّر للعلم والحكمة ، والمختار للجود والعدالة ، والمواظب على التعفّف والعبادة ، والمخلص للتوكّل والعقيدة جدير بأن يصير في أنحائه كلها مؤيّدا بالعقل الأصيل والرأي السديد والفراسة القديمة والاطّلاع على المعاني المغيبة .
وليس يشكّ أنّ من آثر لنفسه هذه السيرة لم يعرض له مخافة الفقر ولا خشية الذلّ ، فانّه ينظر إلى القنيات الدائرة بعين المقت والحقارة ، فيمتنع من
تلخيص المحصل المعروف بنقد المحصل — صفحة 504
مساهمون: خواجه نصير الدين الطوسي
ص٥٠٤