ولقائل أن يقول : فإذا كان الأمر كما وصفتم ، ثم وجدنا النفس مرتبطة بالبدن بمثل هذا الارتباط القوىّ وقد علم أنّه سيضطرّ إلى الاهتمام لمصالحه بالجبلّة . وذلك ممّا يلجئه إلى اقتناء الملك ، وإلى التدبير للأهل . فاذن المعالم الحقيقيّة يكون إصابتها إمّا ممتنعا علينا رأسا ، وإمّا متعذرا علينا جدّا ، وإمّا أن يقع لنا الاستسعاد بها بعد فراق النفس للبدن . وهذا حكم شنيع ، فانّه يؤدّى إلى ترك البحث والرويّة ما دمنا مجبولين على هذه الصورة .
والّذي يقال في جوابه ، إنّ الجبلّة وإن عقدتهما على هذه الصورة ، فإنّ بينهما عناد ذاتي ، فإنّ أحدهما روحانىّ السوس محبّ للجميل نافر من القبيح .
والآخر جسمانىّ السوس ، عاشق للّذيذ ، هارب من المولم . والآفات البدنية ، كالجوع والخوف والألم وغيرها ، وإن كانت معترضة على النفس ، فانّها لن تعمى بصرها العقلىّ عن التمييز بين الجميل والقبيح ، أعنى كالعدالة والجور ، وكالعفّة والشره ، وكالشجاعة والجبن ، وكالفطنة والغباوة . فاذن سبيل النفس الناطقة في الميل إلى ما هو جميل والنفار عمّا هو قبيح مضاهية لسبيل الروح الحسيّة في الميل إلى ما هو ملذّ والنفار عما هو مولم . والانسان ممكّن من تقوية أحدهما على الآخر باختياره .
ثمّ الدين الإلهيّ معاضد له على إيثار ما ينال به سلامة النفس عن آفات البدن بقدر الامكان . حتى قيل : إنّه لو لم يكن بين البدن والنفس عناد ذاتىّ لما اطلق على الانسان الأمر الإلهي .
وليس يشكّ أنّ الشريعة الإلهية تكون آمرة بترك ما يهواه البدن من ملذّاته إذا كان قبيحا ، كاستباحة المحارم وأكل لحوم الخنازير ؛ وبايثار كلّ ما يهواه من مولماته إذا كان جميلا ، كالاغتسال من الجنابة في البرد واحتمال ظمأ الهواجر في الصيام ؛ وأنّ الخوادع الشهويّة تكون منفرة للنفس النطقيّة عن مستحسناتها إذا كانت مؤلمة ، كالانقياد للأفاضل والمجالسة للعلماء ، ومميلة لها
تلخيص المحصل المعروف بنقد المحصل — صفحة 502
مساهمون: خواجه نصير الدين الطوسي
ص٥٠٢