تعليقة على رسالة ابن ميمون في رد جالينوس
قال موسى بن عبد اللّه القرطبي المعروف بموسى بن ميمون في أوّل رسالة كتبها ردّا على جالينوس في أنّه ليس فلسفيّا : « من المعلوم قول الفلاسفة : إنّ للنفس صحّة ومرضا ، كما للجسم صحّة ومرض . وتلك أمراض النفس وصحّتها التي يشيرون إليها في الآراء والأخلاق . وهذه خصيصة بالانسان بلا شكّ . ولذلك سمّى الآراء الغير الصحيحة والأخلاق الردّية على كثرة اختلاف أنواعها « الأمراض الانسانيّة » . ومن جملة الأمراض الانسانيّة مرض عام يكاد أن لا يسلم عنه إلّا آحاد في أزمنة متباعدة . ويختلف ذلك المرض في الناس بالزيادة والنقصان ، كسائر الأمراض في الجسمانيّة والنفسانيّة . وهذا المرض الّذي أشير إليه هاهنا هو تخيّل كلّ شخص من الناس نفسه أكمل ما هو عليه ، وكونه يريد ويشتهى أن يحوز كلّ ما يقصده كمالا من غير تعب ولا نصب . ومن أجل هذا المرض العامّ نجد أشخاصا ذوى حذق ونباهة قد علموا أحد العلوم الفلسفيّة النظريّة أو العلميّة أو العلوم الوضعيّة ، ومهروا في ذلك العلم . فيتكلّم ذلك الشخص في ذلك العلم الّذي أحكمه ، وفي علوم أخرى لا علم له بها أصلا ، أو يكون مقصّرا فيها ، ويجعل كلامه في تلك العلوم ككلامه في ذلك العلم الّذي مهر فيه . ولا سيّما إن كان ذلك الشخص قد اتفقت له سعادة من السعادات المظنونة ، ولحظ بعين الرّئاسة والتقدّم ، وصار من أرباب الصدور ، يقول ويتلقّى قوله بالقبول ولا يردّ عليه قول ولا يتعرض فيه . فإنّ كلّما تقدّمت هذه السعادة المظنونة وقرّبت تمكّن ذلك المرض واستعضل وصار ذلك الشخص يهذى مع الزمان ويقول ما عنّ له أن يقول بحسب تخيّلاته أو بحسب حالاته أو بحسب السؤالات التي ترد عليه . فيجاوب بما عنّ له ، إذ لا يريد أن يقول : « لا » . وقد وصل استحكام هذا المرض في بعض الناس أن لا يقتنع بهذا القدر ، بل يأخذ أن يحتجّ ويبيّن أن يحتجّ ويبيّن أن تلك العلوم التي لا يحسنها غير مفيدة