إلى مستقبحاتها إذا كانت ملذّة ، كارتكاب الفواحش واستلاب الأمكاك .
فقد ظهر إذن أنّ الدين الإلهي يكون بأوضاعه الشرعيّة نازلا من النفس منزلة الشيء الّذي يحلّها عن القيد والأسر . ولهذا ما اتّفق المتديّنون والحكماء الالهيّون على أنّ النفس متى تدنّست بشهوات بدنها وأبطلت سلطان عقلها فقد استوجبت عقوبة اللّه عزّ اسمه . ثمّ لن تتفادى عن عقوبته إلّا بارتفاض شهواته أوّلا ، ثمّ بالتضرّع إلى اللّه جلّ جلاله في تكفير المجترح من سيّئاته ثانيا . لهذا ما قيل : إنّ المستخف بالدين لا يجب أن يتأنّى في أمره ، فإنّ الغصّان بالطعام قد يعالج بالماء ، فأمّا الشرق بالماء فلا علاج له أصلا .
النفس النطقيّة متى علمت شيئا فانّها تعلم في الحال أنّها قد علمته ، والروح الحسيّة متى أدركت شيئا لم تدرك في الحال أنّها أدركته . لكنّ الانسان بنفسه النطقيّة بعلم أنّها قد أدركته .
واعلم أنّ الجبلّة الانسيّة مركّبة بصنع اللّه تعالى من الجوهرين المتباعدين ، أعنى القالب والنفس ، وأنّ أحدهما وهو النفس سماوىّ السنخ ، ولهذا ما تشتاق عند تكامله بالحكمة إلى العالم العلوىّ . والآخر وهو القالب أرضيّ السنخ ، ولهذا ما تشتاق عند تكدّره بالشهوة إلى العالم السفلىّ .
فاذن الواجب على الانسان أن يلتزم ما هو خير مطلق لتصلح به النفس لما هو مشوقها ويحترز عما هو شرّ مطلق لئلا ينجذب به البدن إلى ما هو مشوقه . والسعيد المغبوط هو الحكيم العفيف ، ضعيفا كان أو قويّا . والشقىّ المحروم هو الجاهل الشره ، غنيّا كان أو فقيرا . فإنّ العيش الهنيء هو الكرامة والأمن ، والمؤثر للحكمة والعفّة قد أحرزهما ، والممنوّ بالشره والغباوة قد حرمهما .
فاذن كلّ ما هو لذوي الحكمة والعفة خير - كالصّحة والجمال والرئاسة والمال والفطنة والذكاء والنسب والرفقاء - هي بعينها لذوي الشره والجهالة شرّ . وكيف لا يكون كذلك وقد علم أنّه لا يؤهل للكرامة إلّا من تحرّز من
تلخيص المحصل المعروف بنقد المحصل — صفحة 503
مساهمون: خواجه نصير الدين الطوسي
ص٥٠٣