تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تلخيص المحصل المعروف بنقد المحصل — صفحة 501

مساهمون:

ص٥٠١

الرسالة النصيرية

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ان كان الرجل الحكيم غير حريص على اللذّات البدنيّة ، كالجماع والأطعمة والأشربة والثياب الفاخرة ، وإنّما يلتمس منها بالمقدار الّذي يضطرّ إليه ؛ فبالحري أن يبعد عن الاهتمام للرئاسة أو المال ، وخصوصا إذا أولع باستقرار العلوم وقد أيقن أنّه متى حاول ذلك لزمه أن يجرّد له الرويّة والفكر ، وأن يصير النفس النطقيّة كأنّها مباينة للجسد ، ولما يتعاطاه الجسد . فهو إذن يتكلف التبرّؤ عن الملاذّ البدنيّة كلّها ، علما منه بأنّها شاغلة له عن مطلوبه وعائقة عن تحصيل غرضه . فهو إذن يكون متجرّدا في مساعيه لتنحية النفس المضيئة عن البدن المظلم بغاية ما أمكنه واقتدر عليه ، مؤمّلا به الترقّى إلى العالم النورانيّ الأبدىّ . فهو إذن لا يكره الموت عند حضوره وينال الأمنة من روعاته ، ابتغاء لما بعده من مثوباته ، وارتقائه إلى ما يؤمّله من رفيع حالاته . فهو إذن يكون ذا نجدة بحقه ، وذا عفّة بصدقه ، وذا فضيلة بكماله ، وذا أمن في سربه ، فأمّا المؤثر للمال والرئاسة على شرف العلم والحكمة أو المؤثر للحمام والراحة على التعبّد لربّ العزّة فجدير أن يكون خائفا للموت وإن أيقن أنّه لا محاله لاحقه ، وأن يكون شديد الهرب منه وإن تحقق أنّه لا مهرب عنه . فهو إذن لا يتعاطى النجدة إلّا بحسب احترازه عن مخوف يعتقد فيه أنّه أضرّ به من الموت ، ولا يتعاطى العفّة إلّا بحسب خوفه من فقدان لذّة هي عنده أفضل ممّا يعفّ عنه . فهو إذن يصير ذا نجدة منبعثة من فرط الجبن ، وذا عفّة منبعثة من فرط الشره . فهو إذن لا يستحقّ منقبة الشجعان والزهّاد ، ولا منقبة شيء من أبواب الفضيلة على الاطلاق . فاذن الفائز بالحكمة الحقيقيّة والمرتاض بالعبادة الخالصة هو الموصوف بالفضيلة المطلقة عليه لن يكون إلّا بمنزلة الظلّ والخيال [ كذا ]