النفس الناطقة وقواها
وأمّا النفس الناطقة فهي مجرّدة عن الأجسام ، مفارقة للمواد ، مرتبطة على الأبدان ، يفيض عليها صورة حيوانيّة منطبعة في البدن فيها ، ويصدر عنها الأفعال النباتيّة والحيوانيّة بالآلات . وفعل غيرها يفعله بذاتها من غير توسط آلة ، وهو التعقل ، وينقسم إلى نظري وعملي ، ويسمّيان عقليّين .
أمّا العقل النظري ، فلتعلّقها لنفسها ولغير نفسها مما لا يكون إليها أن يفعلها ، بل يكون إليها أن يعقلها فقط . وله مراتب : الأولى الاستعداد الّذي يختصّ به الانسان وإن كان طفلا من سائر الحيوانات ، ويسمّى عقلا هيولانيّا . والثانية المكتسبة ، اعني العلوم النظريّة بأسرها ، ويسمّى عقلا بالفعل . والرابعة استحضارها بالفعل ومشاهدتها لها ، ويسمّى عقلا مستفادا . وخزانة المعقولات عقل يسمّى العقل الفعّال . وهو الّذي يكون فيه جميع المعقولات مرتسما ، وتخرج العقول الانسانيّة من القوّة إلى الفعل . وإنّما يحصل من جملة ما للعقل الفعّال للنفوس الانسانيّة القدر الّذي يصير الانسان مستعدا لقبوله . ونسيانه بطلان الاستعداد .
وأمّا العقل العملي ، فهو الّذي يستنبط للنفس آراء جزئيّة هي مبادى الافعال ، اختيارية صناعيّة أو غير صناعية من آراء كليّة هي قضايا أوّليّة أو مشهورة أو تجربيّة . وتصير الآراء الجزئيّة مبدأ الإرادة أفعال جزئية وملكات وأحوال بحسبها تصدر الأفعال عن الآلات البدنيّة ، اعني الأفعال الخاصّة بنوع الانسان .
وهذا تمام القول على النفوس الأرضيّة وقواها .
والحمد للّه ربّ العالمين ، وصلّى اللّه على سيّدنا محمّد وآله الطيبين الطاهرين وأصحابه المنتجبين .