افعال العباد بين الجبر والتفويض
بسم اللّه الرحمن الرحيم
أفعال العباد تنقسم إلى ما يكون تابعا لقدرته وإرادته ، وإلى ما لا يكون .
مثال الأوّل : الأكل والمشي من الانسان الصحيح الّذي لم يكره على هذين الفعلين . ومثال الثاني : حركة الانسان إلى السفل إذا وقع من موضع عال .
والقدرة يراد بها سلامة آلات الفعل من الأعضاء . ويراد بها الحالة التي يكون الانسان عليها وقت صدور الفعل عنه . والأوّل يكون قبل الفعل ومعه ، وهذه هي القدرة عند المعتزلة . والثاني لا يكون إلّا مع الفعل ، وهي القدرة عند الأشعري . ولا شكّ أنّ القدرة بالوجهين لا يكون مقدورا للعبد ، بلى ربما يكون أسبابه ، كالتغذّى والتداوي المقتضيين لسلامة الأعضاء ، مقدورا له .
وأمّا الإرادة فسببها إمّا العلم بالمصلحة ، وإمّا الشهوة ، وإمّا الغضب . ولا يكون واحد منها إلّا عند الشعور ، والشعور أيضا لا يكون مقدورا للعبد ، وربّما كان بعض أسبابه مقدورا له .
وأمّا عند حصول القدرة والداعي يجب الفعل أم لا . فالحقّ أنّه يجب ، وإلّا لزم رجحان أحد طرفي الفعل وتركه من غير مرجّح . وهذا الوجوب لا يخرج الفعل عن حدّ الاختيار ، لأنّ معنى الاختيار هو أن يكون الفعل والترك بإرادة الفاعل ، فيختار منهما أيّهما أراد . وهاهنا لزم الفعل من القدرة والإرادة .
فإذا نظرنا إلى أسباب القدرة والإرادة كان في الأصل من اللّه ، وعند وجودهما الفعل واجب ، وعند عدمهما ممتنع . وإذا نظرنا إلى الفعل كان من العبد بحسب قدرته وإرادته ، فلهذا قيل : « لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الامرين » . فاذن الاختيار حقّ ، والاسناد إلى اللّه حقّ ، ولا يتمّ الفعل بأحدهما دون الآخر .