الباب الخامس في الوعد والوعيد وما يتبعهما
قد مرّ أنّ القائلين بالحسن والقبح والوجوب في العقل أوجبوا الوعد بالثواب للمكلّفين لكونه لطفا . وقالوا بحسن الوعيد لكونه أصلح ، أو بوجوبه لكونه لطفا أيضا . ثمّ أوجبوا الوفاء بالوعد . واختلفوا في الوفاء بالوعيد ، فقالت التفضيليّة :
ليس ذلك بواجب ، لأنّه حقّ اللّه تعالى . وقالت الوعيديّة بوجوبه لئلا يصير الوعيد كذبا . وأمّا الذين لا يقولون بالحسن والقبح والوجوب عقلا قالوا : إنّ الثواب والعقاب يتعلّقان بمشيّة اللّه تعالى فقط ولا يقبح منه شيء ولا يجب عليه شيء أصلا .
والحكماء القائلون بثبوتها في العقل العملىّ دون العقل النظريّ قالوا : تكون السعادة والشقاوة لازمتين للأفعال الملائمة وغير الملائمة ، كالصحّة لاعتدال المزاج والمرض لانحرافه . واعلم أنّ هذه الأقوال مبنيّة على كون الانسان مدركا بعد موته . فالأهمّ في هذا الباب النظر في ذلك ، وهو مبنىّ على ستّ مسائل :
المسألة الأولى في إعادة المعدوم
وهي جائزة عند مثبتى المعتزلة ، لأنّ الذات باقية عندهم حال تعقّب الوجود والعدم عليها ؛ وكذلك عند بعض أهل السنّة فانّهم قالوا : الممكن لا يصير بانعدامه ممتنعا ؛ ومحال عند غيرهم ، لاستحالة تخلّل العدم بين شيء واحد بعينه .
فاذن لا يكون المعاد عين المبدأ ، بل إن كان ولا بدّ فهو مثله . وقال سديد الدين محمود الحمصي : إنّ ذلك ينتقض بالتذكّر ، فإنّ الحاصل في الذكر بعد النسيان هو ما أدركه أوّلا بعينه ، وهو عوده . وليس ذلك بصحيح . لأنّ التعدّد ينافي الوحدة ، وتماثل المعاد والمبتدأ لا يقتضي اتّحادهما .