في صدر المسألة إنّا نعلم ضرورة أنّ التقريب والتبعيد عند عدم نصب الإمام أو تمكينه على عكس ما ينبغي ويستحيل ان يكون له بدل . وعن الثاني : بوجهين : الأوّل أنّ قرب المكلفين من الطاعة وبعدهم عن المعصية ممّا يطابق غرض الحكيم من التكليف ويقرّب حصوله ، وعكسهما ممّا يناقضه ويبعّد حصوله . فلو كان فيما يطابق غرضه ويقرب حصوله مفسدة لكان حصول غرضه مفسدة . وذلك باطل على ما تبيّن في باب العدل أنّه لا يريد القبائح . الثاني : أنّ المفسدة لا يكون راجعة إلى الحكيم ، إذ هو واجب الوجود لذاته غنىّ عن غيره ، لا يصلح عليه جذب نفع ولا دفع ضرر . فلو كانت لكانت راجعة إلى غيره . والّذي أثبتناه من وجوب نصب الإمام فيه المصلحة العامّة للمكلفين . فلو كانت فيه مفسدة راجعة إليهم لكان عين ما هو مصلحة لهم مفسدة لهم ، هذا خلف . وعن الثالث : أنّا أوجبنا عليه ما يفيد التقريب والتبعيد ، لا ما يزيد التقريب والتبعيد ، وذلك غير وارد علينا . بيانه أنّ المكلف إذا استوت نسبته إلى ما يريد الحكيم منه وإلى ما لا يريده ، يجب على الحكيم أن يقرّبه إلى ما يريده ويبعّده عمّا لا يريده ، حتى يحصل ترجيح أحد المتساويين على الآخر الّذي لا يتمّ الوقوع إلّا به . أمّا إذا كان ما يريد أقرب ، فالترجيح حاصل . وموجب الوجوب وهو التساوي المانع عن الوقوع زائل ، فلا يجب عليه . وعن الرابع : أنّ التمكين ليس من أفعاله سبحانه ، ولا يجوز أن يخلّ بما يجب عليه ، لا خلال غيره بما يجب عليه ، خصوصا إذا كان الواجب المتعلق بالغير موقوفا على الواجب المتعلق به ، لأنّ إزاحة العلل واجبة عليه سبحانه ، وهو لا يخلّ بالواجب .
المسلك الثاني : اختيار نصب الإمام بيد اللّه العالم بمصالح الناس
ممّا يعلم كلّ عاقل بالضرورة أنّ كلّ حاكم يتعلّق به حكم من أحكام جماعة يكون إمضاء ذلك الحكم مصلحة لهم والتوقّف فيه مفسدة لهم . ولا يريد الحاكم إلّا ما يقتضي مصلحتهم ، فيقبح منه أن لا يقيم من يمضى فيه ذلك الحكم إذا لم يتولّه بنفسه . ولذلك يذمّون كلّ والى ناحية أو راعي قطيعة يغيب عنهم ، غير مخلّف من يقوم فيهم مقامه مع عدم الموانع ، ويوبّخونه . والباري سبحانه هو الحاكم على