وقد استتر النبي صلّى اللّه عليه وآله تارة في الشعب « 1 » ، وأخرى في الغار « 2 » ولا وجه لذلك إلا الخوف من المضار الواصلة إليه .
[ الاشكال بأن استتار النبي ( ص ) بعد أدائه جميع الأحكام بخلاف استتار الامام . والجواب عنه باثبات ان عامة الأحكام تمت في المدينة ]
وليس لأحد أن يقول : ان النبي صلّى اللّه عليه وآله ما استتر عن قومه إلا بعد أدائه إليهم ما وجب أداؤه ، ولم تتعلق بهم إليه حاجة ، وقولكم في الامام بخلاف ذلك ، ولأن استتار النبي ما تطاول ولا تمادى ، واستتار الامام قد مضت عليه الدهور وانقرضت العصور ، ( وذلك ) أنه ليس الأمر على ما قالوه ، لأن النبي صلّى اللّه عليه وآله إنما استتر في الشعب والغار بمكة وقبل الهجرة ، وما كان أدى صلّى اللّه عليه وآله جميع الشريعة ، فان أكثر الأحكام ومعظم القرآن نزل بالمدينة « 3 » ، فكيف ادعيتم أنه كان بعد الأداء ؟ ولو كان الأمر على ما قالوه من تكامل الأداء قبل الاستتار لما كان ذلك رافعا للحاجة إلى تدبيره صلّى اللّه عليه وآله وسياسته وأمره ونهيه . وما هذا الذي يقول : إن النبي صلّى اللّه عليه وآله بعد أداء الشرع غير محتاج إليه ولا مفتقر إلى تدبيره - الا معاند مكابر . وإذا جاز استتاره صلّى اللّه عليه وآله مع الحاجة إليه لخوف الضرر - وكانت التبعة بذلك لازمة لمخيفيه ومحوجيه إلى الغيبة ، وسقطت اللائمة عنه ، وتوجهت إلى من أحوجه إلى الاستتار وألجأه إلى التغيب - فكذلك القول في غيبة امام الزمان .
هامش
( 1 ) وهو المعروف ب ( شعب أبى يوسف ) قال الحموي في ( معجم البلدان :
مادة شعب ) : « وهو الشعب الذي آوى إليه رسول اللّه ( ص ) ، وبنو هاشم لما تحالفت قريش على بني هاشم ، وكتبوا الصحيفة . . . » .
( 2 ) وهو الذي آوى إليه هو وأبو بكر حين خروجهما من مكة إلى المدينة وهو في جبل ثور بمكة - كما عن معجم البلدان للحموي بمادة غار - .
( 3 ) إن أكثر سور القرآن مكية . ولكن أغلب آيات الأحكام هي من سور مدنية حيث إن مجموع آيات الأحكام يقارب ال ( 500 آية ) المدنيات منها تتجاوز ال ( 300 آية ) تقريبا . راجع احكام القرآن للجزائري وللسيوري وغيرهما .