فأما مخالفة ظنه لظن جميع من أشار عليه من النصحاء كابن عباس وغيره فالظنون انما تغلب بحسب الامارات ، وقد تقوى عند واحد وتضعف عند آخر ولعل ابن عباس لم يقف على ما كوتب به عليه السّلام من الكوفة ، وما تردد في ذلك من المكاتبات والمراسلات والعهود والمواثيق ، هذه أمور يختلف أحوال الناس فيها ، ولا يمكن الإشارة إلا إلى جملها دون تفصيلها .
فأما محاربة الكثير بالنفر القليل ، فقد بينا أن الضرورة دعت إليها وأن الدين والحزم معا ما اقتضيا في هذه الحال إلا ما فعل . ولم يبذل ابن زياد لعنه اللّه عليه من الأمان ما يوثق بمثله ، وانما أراد إذلاله والغض من قدره بالنزول تحت حكمه ، ثم يفضي الأمر بعد الذل إلى ما جرى من اتلاف النفس . ولو أراد به عليه السلام الخير على وجه لا يلحقه فيه تبعة لطاعة يزيد ، لكان قد مكنه من التوجه نحوه ، واستظهر عليه بمن ينفه ، لكن الترات « 1 » البدرية والأحقاد النبوية ظهرت في هذه الأحوال .
وليس يمتنع أن يكون عليه السّلام في تلك الحال مجوزا أن يفيء إليه قوم
هامش
يأبى اللّه لنا ذلك ورسوله والمؤمنون ، وحجور طابت وطهرت وأنوف حمية ، ونفوس أبية ، من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام . . . » ( عن عامة المقاتل والسير )وسامته يركب احدى اثنتين * وقد صرت الحرب أسنانها
فاما يرى مذعنا أو تموت * نفس أبى العز اذعانها
فقال لها : اعتصمي بالآباء * فنفس الأبي وما زانها
إذا لم تجد غير لبس الهوان * فبالموت تنزع جثمانها- ديوان السيد حيدر الحلي -
( 1 ) الترات جمع ( ترة ) بالكسر . وهي الانتقام أو الظلم فيه .