ومن تأمل ما روي عنها في هذا الباب علم أنه أكثر مما يقتضيه ثقل القلب والوجد اللذان لا ينتهيان إلى العداوة والشحناء ، ولم يجر من أمير المؤمنين عليه السّلام في قصة الافك ما يقتضي وجدا لأن النبي صلّى اللّه عليه وآله استشاره فأشار بما يقتضيه ظاهر الحال من مسألة بريرة عن الأمر ، فسألها الرسول صلّى اللّه عليه وآله ؟ فقالت : ما علمت إلا خيرا . فلو كان أمير المؤمنين عليه السّلام أشار بخلاف الصواب وبما فيه تحامل عليها لما فعله الرسول صلّى اللّه عليه وآله . وليس في المشورة التي ذكرها ما يقتضي حقدا ولا غضبا « 1 » .
هامش
( 1 ) وملخص حديث الافك - عن عائشة من عدة طرق - : انها خرجت مع النبي ( ص ) في غزوة بني المصطلق . وفي أثناء رجوع الجيش إلى المدينة - بعد الفتح - تخلفت عائشة - لقضاء حاجتها ولفحصها عن قلادة اضاعتها - عن الركب ، فنامت بعد يأسها من القوم ويمر عليها صفوان بن المعطل السلمي - وكان في آخر الركب - فيصبح عندها ، ويركبها - عند الصباح - على ناقته - حتى لحق بالركب عند الظهيرة . فقذفتها العصبة - المشار إليها في الآية - بالافك ، وهم :
عبد اللّه بن أبي سلول ومسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش ، فتشيع التهمة ، ويتأثر النبي ( ص ) من عائشة وعليها أياما ، فيستشير في فراقها اسامة ابن زيد وعلي بن أبي طالب . اما اسامة فأشار عليه بابقائها وبرائتها ، واما علي عليه السلام فقال له : لم يضيق اللّه عليك والنساء كثير ، وان تسأل الجارية تصدقك .
فيسأل النبي ( ص ) الجارية بريرة ؟ فتجيبه الجارية : « والذي بعثك بالحق ان رايت عليها امرا قط اغمضه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها » . وبعد ذلك نزلت آيات الافك في برائتها ، وانكشاف الواقع .
راجع - في تفصيل القصة - : عامة كتب التفسير - في تفسير هذه الآيات - وصحيحي البخاري ومسلم ، وتاريخ الطبري 3 / 67 ، وشرح النهج 9 / 191 ط دار المعارف واحكام القرآن لابن العربي 2 / 94 ، وغيرها .