وبوقوع الفتنة في الجمهور ودخول الشبهة على كثير من أهل الاسلام حتى أداهم إلى الاختلاف والتجانب الذي يشمت الأعداء ويسوء الأولياء ، وكيف تكون عائشة تائبة نادمة - ولم ينقل عنها - مع امتداد الزمان لها - بشيء من ألفاظ التوبة المختصة بها ، ولا صرحت في وقت من الأوقات بأني نادمة على ما كان مني من حرب الإمام العادل وخلع طاعته وقتل شيعته ورميه بدم عثمان - وهو بريء منه - ؟ وعالمة بقبيح جميع ذلك وعازمة على ترك معاودة أمثاله أو معنى هذه الألفاظ ؟ وكيف عدلت عن هذا كله إلى تمني الموت وقول :
يا ليتني كنت شجرة أو مدرة - وما فيه شيء يختص التوبة من لفظ ولا معنى بل هو محتمل على ما ذكرناه - ؟
فان قيل : أليس قد روي عن أبي جعفر محمّد بن علي الباقر : أن سائلا سأله عن عائشة ، وعن مسيرها في تلك الحرب ، فاستغفر لها ، فقال له : أتستغفر لها وتتولاها ؟ فقال : نعم ، أما علمت ما كانت تقول : يا ليتني كنت شجرة ، يا ليتني كنت مدرة .
قيل لهم : هذا خبر باطل بعيد من الحق ، وبإزاء هذا الخبر ما لا يحصى كثرة عن أبي جعفر وآبائه وأبنائه عليهم السّلام مما يتضمن خلاف الاستغفار ، ويقتضي غاية الاصرار مما لم نذكره استغناء لشهرته في أماكنه . على أنه لا حجة في ذلك على مذاهبنا ، لأنا نجيز عليه - صلوات اللّه عليه - التقية ، ويجوز أن يكون السائل من أهل العداوة فاتقاه بهذا القول ، وروى فيه تورية تخرجه من أن يكون كذبا .
وبعد فإنه علق توبتها بتمنيها أن تكون شجرة أو مدرة . وقد بيّنا أن ذلك لا يكون توبة ، وهو عليه السّلام بهذا أعلم .
فان قيل : أليس قد روي عن حذيفة : أنه قال : إني لأعلم قائد فتنة في الجنة وأتباعه في النار .
تلخيص الشافي — صفحة 163
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص١٦٣