وهذا الخبر أيضا لا يدل على التوبة وإنما يدل على التلهف والتحسّر . ويجوز أن يكون ذلك من حيث خابت عن طلبها ولم تظفر ببغيتها مع التبذل الذي لحقها ، وألحقها العار في الدنيا والاثم في الآخرة . فمن أين ان ذلك ندم على الفعل القبيح من الوجه الذي يسقط الذم ، وليس فيه أكثر من لفظ التمني الذي يستعمله المستبصر المخفق ؟ وتارة يكون ندما وتوبة إذا كان خوفا من ضرر الآخرة ، وندما على القبيح لقبحه ، وتارة يكون للاستضرار في الدنيا لفوت غرض أو خيبة أمل أو بعض ما ذكرناه . وهذا الجواب بعينه هو الجواب عن الخبر الذي يروونه من أنها كانت تبكي وتتمنى الموت .
وكذلك ما يروى أنها قالت : لئن أكون جلست من مسيري الذي سرت أحب إلى من أن يكون لي عشرة أولاد كلهم من رسول اللّه ، كلهم من ولد الحارث بن هشام ، وثكلتهم .
على أنه قد روي عن أمير المؤمنين عليه السّلام في ذلك اليوم : أنه قال : « وددت أني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة » فلو كان تمنى الموت دليل التوبة لوجب أن يكون أمير المؤمنين مقلعا به عن قبيح ، وقد خبر اللّه تعالى عن مريم عليها السلام :
أنها قالت : « يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيّا » « 1 » ومعلوم أن ذلك لم يكن منها على سبيل الندم على قبيح ، وإنما خافت الضرر العاجل بالتهمة .
فأما أمير المؤمنين عليه السّلام فمعنى كلامه - ان صحت الرواية به - أنه كان عليه السلام محزونا بقتل شيعته وأنصاره وفقد أصحابه والمخلصين في ولايته
هامش
منسيا ، أي الحيضة الملقاة » . وفي شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 264 ط دار المعارف : « . . . لوددت واللّه أني كنت مت قبل ذلك اليوم بعشرين سنة » .
( 1 ) سورة مريم / 23 .