وهذا الخبر معارض لكل هذه الأخبار . على أنا قد بينا أن نفس الرجوع لا يكون توبة ودللنا عليه وبينا أنه لو كان توبة لم يكن توبة إلا عمّا رجع من القتال دون غيره . وذكرنا أن فسقه كان بأمور كثيرة سوى القتال « 1 » .
فان قيل : الزبير لما انصرف عدل إلى موضع يملك فيه أمير المؤمنين الأمر والنهي فكأنه حصل في عسكره .
قيل له : زعمتم أن عدوله كان إلى موضع بهذه الصفة ، وإنما قتل متوجها سائرا غير مستقر . ولعله كان قاصدا إلى معاوية وحيّزه « 2 » وهو حيث لا يملك أمير المؤمنين عليه السّلام فيه الأمر وقد جرت العادة بأن من أراد الاعتذار من حرب غيره وشقاقه وندم على ذلك - أن يصير إليه ويصرح بالاعتذار ويبذل جهده في التنصل وغسل درن ما كان استعمله . وليته - إذا فعل ذلك وبالغ فيه - غلبت على الظن توبته وسقطت لائمته ، فكيف خرج الزبير في توبته هذه المدعاة من عادات جميع العقلاء ؟ .
فان قيل : إنما يجب أن يحارب معه لو طلب ذلك منه وشدّد عليه .
قيل : قد بيّنا أن نصرة الامام واجبة من حيث كان إماما ، وإن لم يطلب هو النصرة ، فكيف والحال التي وقع عليه السّلام إليها كانت مستدعية للنصرة من كل مسلم لتضايقها وشدتها ، أو ما كفى الزبير في طلبه عليه السّلام النصرة كتبه النافذة في الآفاق يستنصر فيها ويستصرخ ، ويدعو الناس إلى القتال معه ؟ « 3 »
[ الاشكال بحديث البشارة بالجنة حيث يشمل طلحة والزبير ، والجواب عنه سندا ودلالة ]
فان قيل : قول النبي صلّى اللّه عليه وآله : « عشرة من أصحابي في الجنة » يدل على أنهما تابا ، لأنهما من جملتهم بلا شك .
هامش
( 1 ) كما عرفت آنفا ص 141 من هذا الجزء
( 2 ) لما ذكرناه - آنفا - ص 140 من مكاتبة معاوية له في هذا الشأن .
( 3 ) كتاب الجمل للمفيد رحمه اللّه ، وعامة كتب التاريخ في هذا الموضوع .