الحرب عقيب مواقفة أمير المؤمنين له ، وتذكيره بقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في حربه وأكثر ما في هذا أن يدل على أنه قد ندم على الحرب . وفسقه لم يكن بالحرب دون غيرها ، بل كان لما تقدمها : من نكث البيعة والخروج عن طاعة الامام ، والبغي عليه ، ورميه بما هو بريء منه من دم عثمان ، ومطالبته بما لا يجب عليه :
من تسليم كل من اتهم بقتله ، ورده الأمر في الإمامة شورى ليستأنف الناس الاختيار ، وطلب الامام . وهذه ضروب من الفسق ، من أين أن رجوعه عن الحرب وندمه عليها يقتضي ندمه على جميع ما ذكرنا . وليس يمكن أن يدعى في ظاهر الرجوع عن الحرب أكثر من الندم على الحرب . ولو كان الكف عن الحرب دليلا على التوبة من بين ما عددناه ، لوجب أن يشهد له بالندم والتوبة ، لما كان مقيما بمكة ، فإنه كان هناك كافا عن الحرب . ولم يمنع من أن يكون مقيما على غيرها مما ذكرناه .
فان قيل : أليس قد روي : أن سبب رجوعه كان مواقفة أمير المؤمنين على ما كان سمعه من النبي صلّى اللّه عليه وآله من فضائله وقتاله ظالما ، والرجوع - إذا حصل عند ذلك - دل على التوبة .
قيل له : من روى أن السبب ما ذكروه رواه على الوجه الذي يخرجه من أن يكون توبة إلى أن تقتضي الاصرار والمقام على الذنب ، فان الطبري روى في تاريخه - باسناده عن قتادة - هذه القصة ، وأن أمير المؤمنين عليه السّلام لما واقف الزبير ، وأذكره بقول الرسول في قتاله ، قال : لو ذكرت ذلك ما سرت سيري هذا : واللّه لا أقاتلك أبدا ، فانصرف علي عليه السّلام إلى أصحابه ، فقال : أما الزبير . فقد أعطى اللّه عهدا ألّا يقاتلكم . ورجع الزبير إلى عائشة ، فقال لها :
ما كنت في موطن - مذ عقلت - إلا وأنا أعرف فيه أمري غير موطني هذا ، قالت : وما تريد أن تصنع ؟ قال : أريد أن أدعهم وأذهب ، فقال له ابنه عبد اللّه :
تلخيص الشافي — صفحة 141
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص١٤١