كما استغنت الأئمة . . . ؟
قيل له : ليس يمتنع أن يعلم اللّه تعالى من حال بعض المكلفين ممن ليس بامام أنه لا يختار شيئا من القبيح عند بعض الألطاف التي ليست بامامة فيفعل به ذلك ، ويكون معصوما لا يحتاج إلى امام من هذا الوجه ، غير أن الذي لا نجوّزه : هو أن يكون في المعلوم أن غير وجود الأئمة والرؤساء يقوم - في لطف من يجوز عليه من المكلفين فعل القبيح ، ولم يؤمن من الفساد والافتتان « 1 » - مقام وجودهم حتى يكونوا عنده أقرب إلى فعل الواجب وأبعد من فعل القبيح ، كما يكونون كذلك عند وجود الأئمة . والذي يمنع من هذا علمنا بأن الناس على طريقة واحدة يفسدون ويفتتنون عند فقد الأئمة ويصلحون ويستقيمون عند وجودهم . ولو كان ما ألزمناه جائزا لم يكن العلم الذي ذكرناه حاصلا على الحد الذي هو عليه ، بل كان يجب أن نجوّز كون الناس مع فقد الأئمة على حال السداد « 2 » والصلاح ، كهم مع وجودهم . وفي القطع على بطلان هذا دلالة على أنه ليس في الجائز أن يقوم مقام الأئمة فيما ذكرناه - غيرهم .
فان قيل : أليس قد قال بعض من أوجب باللطف بأنه يحسن التكليف عند فقد اللطف إذا كان فعل ما يكلف من الطاعة يستحق عليه من الثواب أضعاف ما يستحق عليه مع وجود اللطف ، فما المانع أن يكون التكليف مع فقد الامام أشق ، ويستحق عليه من الثواب أضعاف ما يستحق عليه مع وجوده ، فيحسن التكليف على بعض الوجوه ، وان لم يكن هناك امام . . . ؟
هامش
( 1 ) من الفتنة : وهي : الحيرة ، والضلال والكفر والمحنة والمرض . . . إلى غير ذلك من المعاني المشتملة على الشر .
( 2 ) السداد : بالفتح : مصدر الصواب والرشاد والاستقامة .