[ الاستدلال بأن الإمامة لطف من جريان العادة بانتظام الأمور عند وجود الرئيس ]
فان قيل : دلّوا على كونها لطفا ، ليتم لكم ما ادعيتموه .
قيل له : الذي يدل على أنها لطف : ما علمناه بجريان العادة : من أن الناس متى كان لهم رئيس منبسط اليد ، قاهر عادل ، يردع المعاندين ، ويقمع « 1 » المتغلبين ، وينتصف للمظلومين من الظالمين ، اتسقت « 2 » الأمور ، وسكنت الفتن ودرت المعايش ، وكان الناس - مع وجوده - إلى الصلاح أقرب ، ومن الفساد أبعد . ومتى خلوا من رئيس - صفته ما ذكرناه - تكدّرت معايشهم ، وتغلب القوي على الضعيف ، وانهمكوا « 3 » في المعاصي ، ووقع الهرج والمرج « 4 » وكانوا إلى الفساد أقرب ، ومن الصلاح أبعد . وهذا أمر لازم لكمال العقل .
من خالف فيه لا تحسن مكالمته .
فان قيل : الصلاح الذي يحصل للمكلفين عند وجود الرؤساء : هو فيما يتعلق بمصالح الدنيا ومنافعها ، وذلك غير واجب على اللّه - تعالى - أن يفعله لأنه انما تجب عليه المصالح الدينية .
قلنا في وجود الرؤساء مصالح دنياوية - وهي كما ذكر السؤال - وفيها - أيضا - مصالح دينية ، لأنا نعلم - على ما بيّنا - عند وجود الرؤساء يرتفع كثير من القبائح : مثل الظلم والبغى . وذلك من مصالح الدين ، لا محالة فالرئاسة واجبة من هذا الوجه ، لا من الوجه الأول .
فان قيل : كيف يمكنكم ادعاء العلم الضروري فيما ذكرتموه - ومن
هامش
( 1 ) قمعه قمعا : قهره وذلّله .
( 2 ) اتسق الأمر : انتظم واستوى .
( 3 ) انهمك في الأمر : جد فيه ولج .
( 4 ) الهرج ، والمرج - بفتحتين - : الفتنة والاختلاط ، والاضطراب والفساد . فهما متقاربان في المعنى ، ويستعملان - على الأكثر - مجتمعين .