كثر ما يعود به من الضرر عليه أكثر ولومهم له أعظم ، حتى يكون الاستقباح تابعا للضرر ، يزيد بزيادته وينقص بنقصانه . وهذا معلوم خلافه .
وأيضا : لو كان القبح في ذلك يرجع إلى استضرار الملك ، وفوت منافعه لوجب أن تحسن منه ولاية من ذكرنا حاله على بعض ، لا يدخل عليه من ضرر في تأخر أمر تدبيره ، ولا يلحقه معه شيء من فوت منافعه ، وليس هذا التقدير بمستبعد ، لأنا نعلم أن رعايا الملك قد تختلف أحوالهم فيما يمس الملك من أمورهم ، فيكون فيهم من يستضرّ بتأخر أمر تدبيرهم وسياستهم ، وفيهم من لا يكون هذا حكمه . وإذا كان جميع العقلاء يستقبحون هذه الولاية - وان لم يعد منها ضرر على الملك كاستقباحهم الأول - علمنا أنه لا يعتبر بالضرر ، وان علة القبح فقد علم المستكفي بما فوّض إليه . على أنه لا فرق بين من جعل قبح استكفاء الأمر من لا يعلمه ولا يضطلع به راجعا إلى ما يعود به من الضرر ، وبين المجبّرة « 1 » إذا ادعت ان جميع القبائح : كالظلم ، والكذب وتكليف ما لا يطاق انما استقبحها العقلاء في الشاهد ، لما يلحق فاعلها من الضرر اما باستحقاق العقاب أو باللوم والتهجين « 2 » بين العقلاء . وتطرقت بذلك إلى حسنها من فعل اللّه تعالى من حيث لم يجز عليه الاستضرار .
[ لا يجوز ان يرجع الإمام إلى اجتهاد الرأي ، أو اخبار الآحاد أو استفتاء العلماء ]
فان قيل : لم لا يجوز ان يكون الامام غير عالم بجميع ما إليه الحكم فيه ؟ غير أنه متى احتاج إلى الحكم رجع إلى الاجتهاد ، أو إلى اخبار الآحاد أو إلى استفتاء العلماء - كما يرجع العامي في ذلك إليهم - أو فرضه التوقف فيما لا يعلمه إلى أن يتبين بعد ذلك بأحد طرق العلم . وكل ذلك يجوز ورود التعبد به ؟
هامش
( 1 ) مضى منا الحديث - بايجاز - عن الجبر والتفويض والأمر بين الأمرين ص 193 ، وعن الحسن والقبح العقليين في ص 203 .
( 2 ) هجن الأمر تهجينا - بالتشديد - قبحه واعابه .