الانسان عما أكله في أمسه ، وما صنعه في عمره . وما جرى هذا المجرى ، فإنه لا يمتنع السهو عنه .
وإذا كان حكم الشرعيات حكم القسم الثاني : في أن السهو عنها لا يخل بكمال العقل ، فينبغي أن يكون مجوّزا .
فأمّا السهو عن البلدان ، والظاهر الشائع من أخبار الملوك ، فانا لا نجيز السهو عنها ، لأن هذا مما قد تكرّر علمهم به وادراكهم . وقد لحق بتكرر العلم به - بالقسم الأول الذي يخل نسيانه بكمال العقل . ومثل هذا - أيضا - سهو الانسان عن اسمه واسم أبيه ، فان هذا مما لا يجوز - أيضا - لتكرر العلم به حالا بعد حال .
وأمّا تعمد كتمان البلدان - قياسا على جواز كتمان العبادات والشرائع - فيستحيل « 1 » ، لأنه لا داعي للعقلاء إلى كتمان البلدان وما أشبهها بعرف ، ولا غرض ، بل كل داع معقول يدعو إلى نقلها ونشر خبرها ، لأن تصرّف الناس في تجاراتهم وأسفارهم وكثير من معايشهم يقتضي نقل ذلك ، ويوجب أن يهمّ إليه أمس حاجة . وما كان دواعي الإذاعة فيه قائمة - وعلم استمرارها في كل زمان - لا يجوز كتمانه ، لأن الكتمان لا يقع الّا بداع قوي وغرض ظاهر وكل ذلك مفقود في أمر البلدان ، مع ما بيّناه من ثبوت الدواعي إلى نقل خبره واشاعته .
وأمّا نقل كون الرسول عليه وآله السّلام في الدنيا ، فهو جار مجرى
هامش
( 1 ) يريد بالاستحالة : العادية التي مسرحها العرف والعادة الجارية ، لا العقلية التي يحكم بها العقل : كاستحالة اجتماع المثلين أو الضدين أو النقيضين . كما يتضح من استرساله في البيان .