ريب من رسالة عبدنا ، فجميع التحدّيات الواقعة في القرآن نحو استدلال على كون القرآن معجزة خارقة من عند اللّه والآيات المشتملة على التحدّي مختلفة في العموم والخصوص ومن أعمّها تحدّيا قوله تعالى :
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً
« 1 » والآية مكيّة وفيها من عموم التحدّي ما لا يرتاب فيه ذو مسكة .
فلو كان التحدّي ببلاغة بيان القرآن وجزالة أسلوبه فقط لم يتعدّ التحدّي قوما خاصّا وهم العرب العرباء من الجاهليّين والمخضرمين قبل اختلاط اللسان وفساده وقد قرع بالآية أسماع الإنس والجنّ .
وكذا غير البلاغة والجزالة من كلّ صفة خاصّة اشتمل عليها القرآن كالمعارف الحقيقيّة ، والأخلاق الفاضلة والأحكام التشريعيّة والأخبار المغيبة ومعارف أخرى لم يكشف البشر حين النزول عن وجهها النقاب إلى غير ذلك ، كل واحد منها ممّا يعرفه بعض الثقلين دون جميعهم فإطلاق التحدّي على الثقلين ليس إلّا في جميع ما يمكن فيه التفاضل في الصفات .
فالقرآن آية للبليغ في بلاغته وفصاحته ، وللحكيم في حكمته ، وللعالم في علمه ، وللاجتماعي في اجتماعه ، وللمقنّنين في تقنينهم ، وللسياسيين في سياستهم ، وللحكّام في حكومتهم ، ولجميع العالمين فيما لا ينالونه جميعا كالغيب والاختلاف في الحكم والعلم والبيان .
ومن هنا يظهر أنّ القرآن يدّعي عموم إعجازه من جميع الجهات من حيث كونه إعجازا لكلّ فرد من الإنس والجنّ من عامّة أو خاصّة أو عالم أو جاهل أو رجل أو امرأة أو فاضل بارع في فضله أو مفضول إذا كان ذا لب يشعر بالقول ، فإنّ الإنسان مفطور على الشعور بالفضيلة وإدراك الزيادة والنقيصة فيها ، فلكلّ إنسان أن يتأمّل ما يعرفه من الفضيلة في نفسه أو في غيره من أهله ثم يقيس ما أدركه منها إلى ما يشتمل عليه القرآن فيقضي بالحقّ والصنعة ، فهل يتأتّى القوّة البشريّة أن يختلق معارف إلهية مبرهنة تقابل ما أتى به القرآن ، وتماثله في الحقيقة ؟ وهل يمكنها أن تأتي بأخلاق مبيّنة على أساس الحقائق تعادل ما أتى
هامش
( 1 ) . الإسراء ( 17 ) : 88 .