واللجاج من قبل النّاس .
فمع إمعان النظر والتدبّر في ذلك لا يبعد دعوى استفادة عصمتهم عليهم السّلام مدى حياتهم منذ نشأتهم وبلوغهم مستوى المسئوليّة إلى ارتحالهم إلى جوار اللّه تعالى بل يدلّ عليه قوله تعالى :
وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ
« 1 » .
حيث عدّ الارتياب في الكتاب الذي جاء به المعهود بالتلاوة والكتابة واقعا في محلّه فالمعروف بالتلاوة إذا جاء بكتاب يدّعي أنّه من عند اللّه تعالى لو اتّهم في دعواه هذه ، لوقع هذا الاتّهام في موضعه ، وهذا يدلّ دلالة واضحة على أنّ الرسل القائمين باستكمال نوع الإنسان مبرّءون عن كلّ ما يصلح للارتياب في شأنهم ومبعّدون عن كلّ نقص وشين .
ومنه يصحّ أن يدّعى ويقال : بأنّه لا يجوز أن يكون النبيّ رجلا تزدريه أعين الناس وتشمئز منه القلوب ، لما به من رعونة الأخلاق أو صغر النفس أو دناءة الهمّة أو الفظاظة أو اتّهام النسب أو تشويه المنظر وغير ذلك من المنفّرات ؛ فإنّ مثل هذا المهان المرذول المنفور كيف يليق أن يكون مطاعا وأسوة في مكارم الأخلاق وإماما يهدي الناس إلى الصراط المستقيم ؟
والفطر السليمة والقلوب المستقيمة تأبى أن تخضع لمثل هذا الإنسان في الأمور المتعارفة فضلا عن المعارف الإلهية والأحكام العبادية والمكارم الأخلاقية .
فقول المصنّف رحمه اللّه عطفا على قوله : « يجب في النبيّ العصمة » : « وكمال العقل والذّكاء والفطنة وقوة الرأي وعدم السهو وكلّ ما ينفر عنه من دناءة الآباء وعهر الأمهات والفظاظة وشبهها والأكل على الطريق وشبهه » دعوى صحيحة قائمة على ساق البرهان .
وليعلم : أنّ معنى وجوب كون النبيّ معصوما ليس كونه ، مقهورا على الصواب والطاعة وممتنعا عليه الخطأ والمعصية من غير دخالة لعلمه وإرادته في أفعاله فتكون أفعاله خارجة عن اختياره ؛ فإنّ ذلك باطل بالضرورة بل النبيّ بشر مثلنا ويستكمل من طريق إرادته واختياره ، وحقيقة العصمة ليست إلّا العلم الراسخ يصونه عن الوقوع فيما لا يجوز
هامش
( 1 ) . العنكبوت ( 29 ) : 48 .