ممتازا عن سائر أنواع الحيوان بالإدراك الفكري التامّ والسلاح العلمي ، فهو مستكمل بتوسيط الإدراكات الفكريّة في جانبي الاعتقاد الحق والعمل الصالح المنتهيين إلى سعادته الحقيقيّة ولقاء اللّه تعالى .
ثم إنّ من الضروري أيضا أنّ هذا النوع المكرّم بالعلم والفكر لكثرة حاجاته وأعماله المحتاج إليها في تقويم حياته وتأمين معيشته - وهو عاجز عن سدّها منفردا - اضطرّ إلى الاجتماع والتعاون مع أبناء نوعه بأن يعمل الكلّ للكلّ ، فينتفع كلّ من عمل الغير بما ينتفع ذاك الغير من عمله ، فيتسخّر كل لغيره بمقدار ما يسخّره .
وإلى تلك الواقعيّة يلمح قوله العزيز :
نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا
« 1 » .
ومن البديهي أنّ هذه الحياة المحمولة على كاهل الاجتماع التعاوني لا تستقيم إلّا بالقوانين المحدّدة لوظائف الكلّ وحقوقهم وما لهم وما عليهم وتلك القوانين هي قضايا كلّية تقدّر أعمال الأفراد على اختلافها فهي كالقوالب المفروغ فيها وظائف الأشخاص ومعاملاتهم وروابطهم الاجتماعية وحيث كانت الغاية الأخيرة للإنسان هو لقاء اللّه تعالى ، فلا مناص عن توظيف وظائف خشوع الجوارح له بعد تلقّي معرفته تعالى بأسمائه وصفاته العليا ، فإنّ ذلك يوجب عروج الروح وتوجّه القلب إلى جنابه وتلك الوظائف هي المسمّاة بأحكام العبادات .
فالإنسان في سيره إلى سعادته لا مناص له عن الاعتناق بتلك القوانين والمعارف والعبادات وهي الأوساط بينه وبين كماله الأخير وهي الأسباب المؤدية إلى ولاية اللّه قبالا للجهازات الغريزية الموهوبة لسائر الأنواع الطبيعيّة ، المؤدية لها إلى غاياتها .
ومن البديهي أيضا أنّ الأمور العينيّة والموجودات الخارجيّة لا تحتمل الغلط والخطأ والصدق والكذب ، لأنّ الغلط وأخواته من شؤون القضايا من حيث الانطباق على الخارج وعدمه ، وعليه فلا مجال لتطرّق الخطأ والغلط في صراط استكمال ذوات الغرائز
هامش
( 1 ) . الزخرف ( 43 ) : 32 .