ومن الثاني قوله تعالى :
إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ
« 1 » وكلام المتكلّمين في البحث عن الأجل ينطبق على المعنى الثاني من معنيي الأجل وهو آخر المدّة المضروبة .
والظاهر منه قوله تعالى :
مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
« 2 » .
ومنه قوله تعالى :
ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى
« 3 » .
فوصف خلق السماوات والأرض وما بينهما مشفوعا بالحق أي غاية صحيحة ، وبأجل وهو آخر ما ينتهي وجودها ، ووصف الأجل بالإتيان أي المجيء ، فالسّماوات والأرض وما بينهما مرتبطة بالآجال ارتباط الأشياء بغاياتها ؛ فإنّ الغايات تأتي ذوات الغايات .
ومنه قوله تعالى :
أَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها
« 4 » فلا تزال الآجال والغايات تبسط وتظهر من مكامن الغيب وتطوي الفواصل وتجذب الأشياء إليها من امامها كما أنّ المقادير التي تحملها العلل والأسباب المحيطة بوجود الشيء هي التي تسوق الأشياء من ورائها ، فإذا أمعنت النظر وجدت أنّ جميع أسباب وجود الشيء ذوات دخل في حدود وجود الشيء وسائر ما يتعلق بوجوده وتلك الأسباب والعلل هي التي يتقدر بها الشيء إلى أن ينتهي الأمر إلى اللّه المتعال وهو المفيض لوجود الشيء والأسباب المشار إليها مقرّبات ومعدّات ومقتضيات .
إذا عرفت ذلك ، تعرف أنّ تلك العلل المقتضية الحاملة لمقادير وجود الأشياء كالمرائي المنعكسة فيها آجال الأشياء وغاياتها إلّا أنّ بلوغها إلى تلك الغايات والآجال قد يكون موقوفا على شرط أو عدم مانع فإذا تحقق الشرط وانعدم المانع تمّت العلّة ، ووجب وجود الشيء وإلّا فلا وعليه فيمكن أن يحمل الأجل المقضيّ في قوله تعالى :
قَضى أَجَلًا
« 5 » على الآجال الموقوفة المترائية في مرآة المقتضيات كما يمكن أن يحمل الأجل المسمّى في قوله سبحانه
وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ
« 6 » على الآجال المحتومة ، ويؤيّد الحمل المذكور ما ورد عن
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 282 .
( 2 ) . العنكبوت ( 29 ) : 5 .
( 3 ) . الأحقاف ( 46 ) : 3 .
( 4 ) . الحج ( 22 ) : 7 .
( 5 ) . الأنعام ( 6 ) : 2 .
( 6 ) . الأنعام ( 6 ) : 2 .