الغايات المترتّبة إلى غاية الغايات لوجدوا كلّها منتظما ؛ فإنّ من الحكمة والمصلحة أن تصير الصورة الدونى فداء للصورة الشرفي فيصير النبات غذاء للحيوان ، والحيوان غذاء للإنسان ليستكمل بذلك علما وعملا ثم الارتحال بالموت إمّا إلى جنّة وإمّا إلى نار ونهاية المصير إلى اللّه المتعال فإنّ جهنّم من المظاهر الإلهية تحتوي جميع مراتب الأشقياء والجنّة تقابلها .
وهذا الموت الذي يتوحّش منه الناس ويعدّونه من أمرّ الشرور إذا تدبّر فيه حقّ التدبّر ، يعلم أنّ غاية تحويل النفس من نشأة سافلة إلى نشأة عالية ، فهو سلّم الاستكمال والتعالي مضافا إلى ما فيه خير كثير يصل إلى الميّت وإلى غيره .
أمّا الواصل إلى غيره فإنّه لو ارتفع الموت وقضي للناس بالبقاء في الدنيا لاشتدّ الأمر على الناس وضاق المكان حتى لا يمكنهم التنفّس فضلا عن الحركة والأكل والشرب والمفروض أنّه حيّ عند ذلك أسوأ حالا من الميّت .
وأمّا الخير الواصل إلى الميّت فخلاصه عن هذا الوجود الدنيوي المعرض للآفات المحفوف بالبلايا والعاهات .
ثم إنّ هذا غير مناف لرحمة اللّه التي وسعت كلّ شيء فإنّه سبحانه غير متّصف بالرحمة التي فينا وهي رقّة القلب والشعور الانفعالي الباعث على الحنان بالمرحوم كما ربّما توهم ذلك بعض الصوفية حيث قال :
« وجدنا في نفوسنا ممّن جبل على الرحمة لو حكّمه اللّه في أهل العذاب لأزال صفة العذاب فما ظنّك بأرحم الراحمين » .
فإنّه قياس بالنفس وغفلة عن لوازمه ، بل معنى الرّحمة إفاضته تعالى الخير إلى مستحقّيه بشتّى الألوان ومن تلك الألوان ما ربّما نعدّه عذابا وفي الحقيقة هو من رحمته الواسعة وكفى به أحكامه تعالى في الشريعة الحقة وحدوده فيها .
ومن ذلك أنّه حكم بالقصاص في القتل وقال :
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ
« 1 » وإن كان موتا وألما للجاني المقتصّ منه ، ولكن فيه رحمة واسعة وحياة للمجتمع ، فلا يجوز في عنايته تعالى وحكمته أن يبطل مصلحة من مصالح التدبير في نظام التكوين والتشريع
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 179 .