تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تكملة شوارق الألهام — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
والتصديق مفاضة من اللّه ، فهو الدّال بالدليل كما قال سيد الموحّدين عليه السّلام كذلك هو تعالى مشرّع وحاكم ولا حكم إلّا للّه . ألا كلّ شيء ما خلا اللّه باطل . إن قلت : هب أنّك حللت عويصة عدم انطباق سنّة العدالة الإلهية في الآلام النازلة على أنواع الحيوان منها الإنسان بافتراض الأعواض ، ولكن بقي سؤال قد تحيّرت في جوابها العقول وهو أنّ الأرض وما عليها لا تزال عرصة الجدال والتنازع ، فهذه المركّبات الأرضية تامّتها وناقصتها تأكل الأرض فالنبات يتغذّى بالأرض ويمتصّ منها ما يلائمه ويستنشق الهواء فلا يلبث أن تأكله وتحلّله إلى العناصر الأصليّة ، ويدور ذلك بينهما بما أراد اللّه تعالى في أدوار متعاقبة . ثم الحيوان يتغذّى بالنبات والماء والهواء ، وبعض أنواعه آكل لبعض بما جعل اللّه تعالى في طباعه وهيأ له الآلات كالأنياب والمخاليب والأظافير الحداد ، بها يتمكّن على ذلك ويقدر على القبض والضبط والقطع والخرق والأكل ونحوها مع ما يعتري الحيوان المسكين المأكول من الآلام والفزع والعويل والصياح والزفير والشهيق فيستغيث ولا يغاث وليس له مناص ولا معاذ ولم يزل في كل يوم يذبح ألف ألف رأس في أرجاء العالم تغذية للإنسان . وأهل الفكر والرّحمة من بني آدم لمّا تفكّروا في ذلك ولم يتبيّن لهم وجه الحكمة والسرّ فيه ورأوه بزعمهم ظلما فاحشا تحيّروا في توجيه ذلك فاختار كلّ مهربا . فقال بعضهم : إن تسلّط الحيوانات بعضهم على بعض ، والمؤاكلة الواقفة بينها ليس من فعل حكيم رحيم ، بل هي من فعل شرير عديم الرحمة ظلّام للعبيد ، فاعتقدوا بأصلين ومبدأين للعالم : خيّر أو شرير . وقال بعضهم : إنّ هذا عقوبة له لما سلف منه من الذنوب والمعاصي في الأدوار السابقة وهؤلاء هم التناسخية . ومنهم من نسب ذلك إلى النجوم إلى غير ذلك من الأوهام المحكيّة في محالّها . قلت : عدم تبيّن وجه الحكمة لهم في ذلك لأنّ مصبّ نظرهم كان جزئيا فتوهّموا أنّ ذلك لا ينطبق على فعل جواد رحيم ، فصارت عقولهم حائرة ففي هذا النظر الجزئي حكّموا العواطف على الحقائق ، والأوهام على مصالح التشريع ، ولو تفكّروا في نظام الكلّ ، وحاسبوا