الواجب في مقام الجواب عن عويصة العدالة في كل مسألة بيان وجه العدالة فيها بهويّتها الشخصيّة فابتلي مثلا في حلّ الآلام بفرضيّة الأعواض وأوقات وصولها إلى المتألّم إلى غير ذلك ، ولم يعلم بأنّ خفاء الوجه الشخصي للعدالة لا يستلزم نفيها عن المورد ، ألا ترى أنّ خفاء المرجّح عن علمنا لا يوجب نفيه في مثل طريقي الهارب وقدحي العطشان ورغيفي الجائع ، بعد ما قام البرهان على « أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد » ؟ وهذا هو المراد بالكلام الدارج في الألسنة : « إنّ عدم الوجدان لا يدلّ على عدم الوجود » فتدبّر .
قلت : إنّ مسألة التحسين والتقبيح العقليّين ، الّتي هي أساس البحث عن أفعاله تعالى وتبيين عدله قد سبقت فلا نعيد ، ومن يرغب عنها إلّا من سفه نفسه ؟ ! حيث لا تقوم قاعدة من قواعد الدّين على ساق مع إنكارها .
فمن آمن بهذه القاعدة وأمعن النظر فيها . يعلم أنّ المسائل المذكورة في أفعاله تعالى مبتنية على هذه القاعدة المحكمة .
وأمّا نبوّ « 1 » النفوس المؤمنة من إسناد وجوب الفعل وجوازه وعدم جوازه على اللّه سبحانه فممّا لا يكاد ينكر نظير إباء نفوسهم عن إسناد المكر والإضلال والكيد وأشباهها إلى اللّه المتعالي ، وذلك من اقتضاء إيمانهم البسيط وعدم وقوفهم على حقيقة الحال . وإذا وقفوا على حقيقة الأمر وتليت عليهم الآيات زادتهم إيمانا .
وقد سبق في مسألة وجوب اللطف على اللّه المتعالى حلّ عويصة إسناد وجوب الفعل وتحريمه وجوازه على اللّه عزّ وجلّ ، وقلنا : إنّه سبحانه في مرحلة هداية النّاس نصب نفسه في مقام التشريع حتى أوجب على نفسه أشياء ونزّه ساحته عن أشياء ، فهو المشرّع والحاكم على نفسه بمعنى أنّه تعالى له أو عليه أمور إن فعلها إذا عرضت على العقل عنونها بعنوان اللطف والعدل مثلا ويصفها بالوجوب عليه ، فاللّه تعالى أذن لنا في هذا الإسناد إلى قدس ساحته ، ولسنا نحن في مقام وضع قانون عليه سبحانه كيلا يجوز له أن يتعدّى حدوده سبحانه سبحانه .
فكما أنّه تعالى هو البرهان على كلّ شيء في التكوين وسببيّة كل أوسط للمعرفة
هامش
( 1 ) . اي : نفرة النفوس .