يجب عليه جبرانه بإعطاء العوض وذلك لأنّ الإيلام بكل واحد من تلك الآلام المستندة إلى اللّه تعالى الحكم العدل إذا لم يجبر بإيصال العوض إلى المتألّم يكون ظلما عليه .
وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
« 1 » وعنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « إنّه يقتصّ يومئذ للشاة الجمّاء من الشاة القرناء » « 2 » .
وأما ما روي عنه : « جرح العجماء جبار » « 3 » أي هدر ، فمعناه نفي القصاص على الحيوان وإنّما ينتصف للجمّاء من القرناء يوم القيامة عوضا للتمكين .
وجملة الكلام هو أنّ كل ألم وغمّ إذا كان الباعث هو اللّه الرحمن الرحيم يجب في عنايته جبرانه . وأمّا إذا كان الباعث للآلام على نفسه أو على غيره هو العبد نفسه بالمباشرة أو بالتسبيب ، فلا عوض فيه على اللّه المتعالي ، أمّا المباشرة فكإيلام نفس بالوكز أو الجرح بيده .
وأمّا التسبيب فكإلقاء نفس في النار واحتراقها بها أو شهادة الزور الموجبة للقتل المشهود عليه فإنّ فاعل الإحراق وإن كان هو النّار ، ولكنّه مستند إلى الملقي بالتوليد فعليه العوض كما أنّ فاعل القتل وإن كان السيّاف المأمور من قبل الحاكم ، ولكنّه مستند إلى شهادة شاهدي الزور الموجبة لحكم الحاكم بالقتل ، فليس العوض فيه إلّا عليهما وهو المراد بقوله قدّس سرّه :
« بخلاف الإحراق عند الإلقاء في النّار ، والقتل عند شهادة الزّور » .
ثم قال قدّس سرّه : « والانتصاف عليه تعالى واجب عقلا وسمعا ، فلا يجوز تمكين الظّالم من الظلم من دون عوض في الحال يوازي ظلمه ، فإن كان المظلوم من أهل الجنّة فرّق تعالى أعواضه على الأوقات أو تفضّل عليه بمثلها ، وإن كان من أهل العقاب أسقط بها جزءا من عقابه بحيث لا يظهر له التخفيف بأن يفرّق الناقص على الأوقات » .
يعني : حيث أثبتنا أنّ اللّه تعالى حكم عدل في سلطانه ، فيجب عليه الانتصاف وأخذ حقّ المظلوم من الظالم عقلا وهو معلوم ، وسمعا ، مثل قوله تعالى :
وَما كُنَّا ظالِمِينَ
« 4 » وقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً
« 5 » وقوله تعالى :
وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
« 6 » إلى غير ذلك من الآيات .
هامش
( 1 ) . فصّلت ( 41 ) : 46 .
( 2 ) . الموجود في المسند لأحمد بن حنبل ، ج 1 ، ص 156 ، ح 520 هكذا : « إنّ الجمّاء لتقتصّ من القرناء يوم القيامة » .
( 3 ) . المسند لأحمد بن حنبل ، ج 3 ، ص 514 ، ح 10153 .
( 4 ) . الشعراء ( 26 ) : 209 .
( 5 ) . يونس ( 10 ) : 44 .
( 6 ) . فصلت ( 41 ) : 46 .