بما كانوا يعملون .
الثاني : أن يكون الألم مشتملا على النفع ودفع الضرر ، وذلك مثل ألم التكليف البدني ؛ فإنّه مشتمل على استكمال النفس ودفع ضرر اللحوق بالشياطين والبهائم ومثل ألم الجوع والعطش ؛ فإنّ الأبدان مركّبة من الأخلاط وهي دائمة الذوبان والسيلان فتحتاج إلى أبدال ما تحلّل وذاب منها فجعلت لنفوسها آلام عندئذ لتكون تلك الآلام باعثة لنفوسها إلى طلب الغذاء ، فلو لم تعرض لها تلك الآلام لقضي عليها قبل بلوغ الكتاب أجله ، وأمّا ألم الضرب والجرح والكسر والصدم والحرّ والبرد والأمراض والأسقام ، وبالجملة ، كلّ مضرّ بالجسد فإنّما جعل للنفوس ألم لكيما تحثّها تلك الآلام على دفع الضرر ، وحفظ أجسادها وصيانة هياكلها إذ كانت الأبدان لا حيلة لها في جرّ منفعة ولا دفع مضرّة عنها ، ومن البديهيّ أن النفع ودفع الضرر في الموارد المذكورة أزيد وأكثر من الألم العارض .
الثالث : أن يكون الألم العارض على جري عادة اللّه تعالى وسنّته في عالم التضادّ .
وبعبارة أخرى من اللوازم الضروريّة الّتي ليست بجعل جاعل ، وإنّما المجعول ملزوماتها التي هي الخيرات بالقصد الأوّل وذلك مثل خلق النّار ؛ فإنّ النّار لا تفضل فضيلتها ولا تكمل مئونتها في تكميل الوجود إلّا أن تكون بحيث تؤذي وتؤلم ما يتّفق لها مصادمته في أجسام حيوانيّة ، ومثلها الماء ، فالمقصود الأوّلي من خلق النّار والماء - مثلا - هو تكميل الوجود ولازم ذلك هو الإيذاء والإيلام أحيانا على ما برهن عليه الشيخ رحمه اللّه في الإشارات وبيّنه المصنّف المحقّق رحمه اللّه في شرحها « 1 » ، فإحراق المؤمن - مثلا - بالنّار وإغراقه بالماء من اللوازم الضروريّة المقصودة بالقصد الثاني على ما فصّل في مبحث كيفيّة دخول الشرور في القضاء الإلهي .
ورابعها : أن يكون الألم الحادث على وجه الدّفاع عن النّفس أو عن الحق الإنساني ولا سيّما عن أهمّ الحقوق الإنسانيّة وهي التوحيد والشرائع المبنيّة عليه وهذا هو الدفاع المقدّس .
فإذا اشتمل الألم على أحد من هذه الوجوه الأربعة حكمنا بحسنه قطعا سواء كان من فعل
هامش
( 1 ) . راجع الإشارات والتنبيهات مع الشرح للمحقق الطوسي ، ج 3 ، ص 319 - 324 .