يكون الكافر مؤمنا ؛ لأنّ معنى اللطف هو ما يحصل الملطوف فيه عنده .
والثاني : إمّا أن يكون عدمه لعدم القدرة عليه فيلزم عجز اللّه تعالى أو مع وجودها ، فيلزم الإخلال بالواجب .
والجواب : أنّه ليس معنى اللطف هو المحصّل بل معناه - كما سبق - هو المقرّب ، فيجوز أن يتحقّق مع وجود المقرّب معارض أقوى منه ، فيغلب عليه كسوء اختيار الكافر .
ثالثتها : أنّ اللطف لو كان واجبا عليه سبحانه ، لما صدر عنه تعالى ما ينافيه وقد صدر عنه سبحانه ما ينافيه ؛ فإنّه تعالى أخبر بأنّ بعض المكلّفين من أهل الجنة ، وبعضهم من أهل النّار ، وكلاهما مفسدة ؛ فإنّ الأوّل يفضي إلى الغرور والاتّكال على العمل ، ويفضي الثاني إلى اليأس والقنوط المنتهي إلى ترك الطاعات والإصرار على المعاصي .
والجواب : أنّه لا منافاة بين اللطف وبين التبشير والإنذار ، بل هما أيضا من مصاديق الألطاف الإلهية فهما من مقرّبات المكلّف إلى الطاعة والاجتناب عن المعصية .
وحيث كان من أجلى مصاديق الألطاف الإلهية بعثة الأنبياء والرسل - صلوات اللّه عليهم ، كما سيجيء في المقصد الرابع - فلو منع الواجب تعالى هذا اللطف عن العباد ، لقبح منه التعذيب ؛ لعدم تماميّة الحجّة عليهم ، وهو قوله سبحانه :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
. « 1 »
وقوله تعالى :
لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى
« 2 » ولكنّ العقل يستقلّ بذمّ مرتكب القبائح والفواحش ما ظهر منها وما بطن . وإلى ذلك أشار المصنّف رحمه اللّه بقوله : « ويقبح منه تعالى التعذيب مع منعه دون الذمّ » .
اعلم : أنّ اللّطف - كما سبق تفسيره - هو الفعل المقرّب للعبد إلى الطاعة والمعدّ له إليها وذلك يقتضي المناسبة بين ما يسمّى لطفا وبين الطاعة والملطوف فيه .
وبعبارة أخرى التقريب والإعداديّة يقتضي نوعا من السنخيّة والتناسب بين المعدّ والمعدّ له ، وإلّا لزم أن يكون كلّ شيء معدّا لكلّ شيء وهذا واضح البطلان .
هامش
( 1 ) . الإسراء ( 17 ) : 15 .
( 2 ) . طه ( 20 ) : 134 .