للعقل مالكيّة هذا الحكم لذاته بخلافه تعالى .
وكيف كان فالّذي تحلّ به هذه العقدة أنّ اللّه عزّ وجلّ في مرحلة هداية الناس منّ عليهم بالمجاراة فنصب نفسه في مقام التشريع فأفرغ سعادتنا التي يهدينا إليها بتشريعه في قالب السنن الاجتماعية فأمر ونهى وبشّر وأنذر ونحوها إلى أن أوجب على نفسه أمورا وكتب على نفسه الرحمة والمغفرة والتوبة ونزّه نفسه عن الظلم والعدوان وبذلك تنحلّ هذه العقدة فلا بأس في وجوب شيء أو تحريمه على اللّه تعالى تشريعا ؛ إذ هو المشرّع والحاكم على نفسه وهذه الأحكام اعتبارية بمعنى أنّه تعالى بعنايته وحكمته يفعل أمورا إذا عرضت على العقل عنونها بعنوان اللطف أو العدل ونحوهما ، ولا يفعل أمورا لو عرضت على العقل عنونها بعنوان الظلم والعدوان ونحوهما .
وممّا ذكرنا تعرف ما في كلام المصنّف قدّس سرّه في نقد المحصّل قال : « ليس هذا الوجوب بمعنى الحكم الشرعي كما هو المصطلح عند الفقهاء بل [ هذا الوجوب ] بمعنى كون الفعل بحيث يستحق تاركه الذمّ » « 1 » ومن العجب أنّ الشيخ محمد عبده حمل هذا الوجوب على كونه قسيما للاستحالة والإمكان في شرح العقائد العضدية .
فلنعد إلى ما كنّا فيه من ذكر شبهات الأشاعرة على قاعدة اللطف وجوابها ، قال المصنّف قدّس سرّه : « ووجوه القبح منفيّة والكافر لا يخلو من اللطف والإخبار بالسعادة والشقاوة ليس مفسدة » .
أشار في هذه العبارة إلى أجوبة شبهات الأشاعرة على وجوب اللطف على اللّه تعالى .
أولاها : أنّ اللطف إنّما يجب إذا خلا من وجوه القبح ؛ لأنّ وجه المصلحة غير كاف في الوجوب ما لم ينتف وجوه المفسدة فلم لا يجوز أن يكون اللطف المدّعى مشتملا على قبح لا تعلمونه ؟
والجواب : أنّ وجوه القبح منفيّة ؛ لأنّا مكلّفون بتركها ، فنعلم بانتفائها . فهذا استدلال بالعلم بعدم وجود القبح لا استدلال بعدم العلم على العلم بالعدم .
ثانيتها : أنّ الكافر إمّا مكلّف مع وجود اللطف أو مع عدمه . والأوّل باطل ، وإلّا لزم أن
هامش
( 1 ) . نقد المحصل ، ص 342 .