تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تكملة شوارق الألهام — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
اللّطف وفسّروه بأنّه الفعل الذي يقرّب العبد إلى الطاعة ويبعّده عن المعصية ولا ينتهي إلى حدّ الإلجاء كبعثة الأنبياء عليهم السّلام فإنّا نعلم بالضرورة أنّ الناس معها أقرب إلى الطاعة وأبعد عن المعصية . واحتجّوا على وجوبه بأنّه يحصّل غرض المكلّف - بالكسر - فيكون واجبا ، وإلّا لزم نقض الغرض . بيان الملازمة أنّ الشارع المكلّف إذا علم أنّ المكلّف لا يطيع إلّا باللّطف بمعنى أنّه بإعمال اللّطف يكون في معرض الامتثال فلو كلّفه بدون ذلك كان ناقضا لغرضه كمن دعا غيره إلى الضيافة وهو يعلم أنّه لا يجيئه إلّا أن يستعمل معه نوعا من الإكرام والتأدّب فإذا لم يفعل ذلك النوع من المقرّب ، كان ناقضا لغرضه فإعمال اللطف يقرّب المكلّف إلى حصول الغرض ومعرض الامتثال فيجب على الآمر الحكيم مراعاته . وعليه فلا فرق في أقسام اللطف سواء كان من فعله سبحانه وتعالى مثل بعثة الأنبياء صلوات اللّه عليهم ، أو من فعل المكلّف مثل العبادات المتنوّعة الواجبة عليه بإبلاغ الرسل وورّاثهم ، أو من فعل غيرهما مثل فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وفي القسم الأخير شرط في التكليف أن يعلم القائم بهذه الفريضة حكم الفعل الذي يأمر به أو ينهى عنه وكذا يشترط فيه علم الفاعل بالفعل ؛ فإنّ المعروف : كلّ فعل حسن اختصّ بوصف زائد على حسنه إذا عرف فاعله ذلك ، والمنكر كلّ فعل قبيح إذا عرف فاعله ذلك أي : قبحه ، فافهم . وكيف كان فقد وافق المعتزلة في هذه المسألة أصحابنا فمنهم شيخنا الأقدم في أوائل المقالات فقال بوجوب اللطف على اللّه تعالى من باب الجود والكرم لا من باب العدل . وقال قدّس سرّه في الكتاب المذكور : « هذا مذهب جمهور الإماميّة » . « 1 » هذه المسألة معترك الآراء بين الفريقين وإنّي لم أر أحدا أشدّ إنكارا لقاعدة اللطف مثل ابن حزم الظاهري فعنون فصلا في كتابه الفصل في الملل والنحل بقوله : « الكلام في اللطف والأصلح » وأطال البحث ردّا على القائلين بالقاعدة مع بذاءة اللسان وشكاسة الخلق وقد كان معروفا بها حتى قارن ابن العريف الأندلسي بين بذاءة لسانه وسيف الحجّاج فقال :
هامش
( 1 ) . مجموعة مصنفات الشيخ المفيد ، ج 4 ، ص 59 ، القول 28 .