إليها من وجود الملائكة والكتب السماوية والأنبياء والرسل وتفاصيل البرزخ وما إلى ذلك فإن حصل العلم من السّمع بشيء تديّن به وإلّا فلا .
وقوله رحمه اللّه : « وإمّا ظنّ » معناه أنّه قد يكون متعلّق التكليف ظنّا أقيم الدليل على اعتباره خاصّا مثل الظنّ الحاصل من ظواهر الكتاب والأخبار الآحاد والشهرة والبيّنة ونحوها .
أو ظنّا مطلقا على فرض انسداد باب العلم كما فصّل في علم أصول الفقه .
وقوله رحمه اللّه : « وإمّا عمل » يريد أنّ متعلّق التكليف قد يكون عملا وذلك مثل العبادات البدنيّة والماليّة والوفاء بالعقود وردّ الأمانات إلى أهلها ونظائرها .
قال رحمه اللّه : « وهو منقطع للإجماع ولإيصال الثواب وعلّة حسنه عامّة وضرر الكافر من اختياره ، وهو مفسدة لا من حيث التكليف بخلاف ما شرطناه ، والفائدة ثابتة » .
أقول : لا ينبغي أن يرتاب في أنّ التكليف بالمعنى المبحوث عنه منقطع باتّفاق المسلمين وبلزوم ترتّب الجزاء عليه بنصّ الكتاب العزيز بل عبّر عن الجزاء بنفس العمل في قوله :
لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ
« 1 » فنشأة الآخرة نشأة ظهور الأعمال بصور غاياتها وثمراتها ثوابا أو عقابا .
ووجه حسن التكليف - كما علمت - هو عرض الموادّ الدينيّة على العباد من المعارف الأصيلة والخصائل الخلقية ، والأحكام العمليّة من العبادات والمعاملات والسياسات التي لها ارتباط بالنفس الإنسانية فتثبت للنفس بالاعتناق بها علوم راسخة وملكات تصير صورا جوهريّة لها هي منشأ السعادة ، وبالإعراض عنها وارتكاب المعاصي والتديّن بالعقائد السخيفة تثبت لها صور جوهرية هي منشأ الشقاوة والعذاب ، فوجه حسن التكليف عام يشمل المؤمن والكافر إلّا أنّ خسران الكافر من سوء اختياره ، وصيرورة التكليف وبالا ومفسدة عليه ناشئة من اختياره لا من نفس التكليف الذي شرطنا فيه انتفاء المفسدة ، ففائدة التكليف ثابتة في حق الكافر كما في حق المؤمن وهي تعريض العباد على الثواب وإراءة طريق السعادة .
فالتكليف في الحقيقة يستبطن سيرا تدريجيّا للإنسان بحسب حالاته وملكاته النفسانية نحو كماله وسعادته فيستكمل بالاعتناق به - وبعبارة - بطيّ هذا الطريق مرحلة بعد مرحلة
هامش
( 1 ) . الزلزلة ( 99 ) : 6 .