عليهم ؛ لأنّ من الضروريّ أن الإنسان لكثرة حاجاته وأعماله في تقويم حياته في دار الاستكمال - وهو عاجز عن سدّها بلا تعاون - اضطرّ إلى الاجتماع والتعاون مع أبناء نوعه بأن يعمل الكلّ للكلّ فينتفع كلّ من عمل الغير بما ينتفع الغير من عمله ، فيتسخّر كلّ لغيره بما يسخّره . وإلى ذلك يلمح قوله سبحانه :
نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا .
« 1 »
فهذه الحياة المحمولة على كاهل الاجتماع ، والتعاون لا تقوم على ساق إلّا بالقوانين المذكورة التي هي كالقوالب المفروغ فيها وظائف الأشخاص والمسبوك فيها جميع أحكام معاملاتهم ومناكحاتهم وروابطهم العائليّة والاجتماعية ، فلا تشغله عن غايته الأخيرة وهي الفوز بلقاء اللّه تعالى ؛ فإنّ القوانين الاجتماعية مقدّمة لتحقّق العمل بالتكاليف العبادية والرياضة الشرعية والتكاليف العباديّة مقدّمة للمعرفة باللّه تعالى وأسمائه الحسنى وصفاته العليا ، فالقوانين بالعمل تقيم العدالة ، وعبادة اللّه تعالى هي الصراط المستقيم ، التي يترتّب عليها معرفة اللّه والنظر في الأمور العالية من الأسماء والصفات ، وهذا شرح إجماليّ لقوله قدّس سرّه : « لأنّ هذا النوع - إلى قوله - لإقامة العدل . . . » .
وممّا ذكرنا - من مقتضى عنايته تعالى في استكمال الإنسان وأنّه جرى في حقّه بتسنين السنن وتشريع الأحكام - تعرف معنى قوله قدّس سرّه : « وواجب لزجره عن القبائح » .
قال قدّس سرّه : « وشرائط حسنه انتفاء المفسدة وتقدّمه ، وإمكان متعلّقه وثبوت صفة زائدة على حسنه ، وعلم المكلّف بصفات الفعل وقدر المستحق عليه وامتناع القبيح عليه ، وقدرة المكلّف على الفعل وعلمه به أو إمكانه وإمكان الآلة » .
لمّا بيّن حسن التكليف ؛ لاشتماله على المصلحة ، أشار إلى الشرائط المحقّقة للحسن بالمعنى المذكور وهي أمور : فمنها : ما يتعلّق بنفس التكليف . ومنها : ما يتعلّق بالمكلّف به .
ومنها : ما يتعلّق بالمكلّف الذي بيده البعث والزجر . ومنها : ما يتعلّق بالمكلّف .
أمّا ما يتعلّق بنفس التكليف فأمران :
أحدهما : انتفاء المفسدة الناقضة لغرض التشريع والتكليف فلا يقبح الأمر بشيء
هامش
( 1 ) . الزخرف ( 43 ) : 32 .