صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ
« 1 » وما إلى ذلك من الآيات التي تصرّح بأنّ تلك الأفعال من اللّه عقوبة ونكال عليهم فإسنادها إلى اللّه على سبيل الحقيقة « 2 » إلى غير ذلك من الآراء والأقوال في كتب الكلام ولا سيّما في كتاب شفاء العليل لابن القيّم الجوزيّة .
وقد تبيّن في المسألة السادسة بطلان كلا القولين ، وعرفت أنّ الطريق الأقوم هو الأمر بين الأمرين على ما هو يهدي إليه البرهان من ربط الممكن بالقيّوم المتعالي ، وأنّه عين الربط ويصدّقه القرآن :
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
« 3 » فليس انعزال الممكن عنه سبحانه بمعقول ، وإنّما البينونة بينونة صفة لا بينونة عزلة وليس في الوجود شأن إلّا وهو شأنه ولا فعل إلّا وهو فعله لا بمعنى أنّ فعل زيد - مثلا - ليس بصادر عن زيد باختياره بل بمعنى أنّ فعل زيد مع أنّه فعله باختياره حقيقة فهو فعل اللّه تعالى حقيقة فلا حول ولا قوّة إلّا باللّه فكلّ حول شعاع حوله غير منعزل عن حوله ، وكلّ قوّة عين الربط بقوّته ، فهو سبحانه دنا في علوّه إلى منازل الأشياء وهذا هو المعنيّ من قولهم عليهم السّلام : « لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين » « 4 » إذ ليس المراد أنّ فعل العبد مركّب من الجبر والتفويض ؛ فإنّ كلا منهما بانفراده إلحاد وضلال كما عرفت ، ولا أنّه خلو منهما ، ولا أنّه اختيار من حيثيّة واضطرار من حيثيّة أخرى بل المراد أنّه مختار من حيث إنّه مجبور ومجبور من حيث إنّه مختار بلا تكثّر حيثية وتعدّد جهة كما بيّنه العرفاء الشامخون .
فقد استبان ممّا مرّ أنّ إسناد الإضلال والختم ونحوهما إلى اللّه تعالى على وجه الحقيقة مع التجريد عمّا لا يليق بجلاله . ولا يتوهم من التجريد لزوم المجازيّة ؛ فإنّ الألفاظ على ما حقّق في محلّه وضعت للمسمّيات باعتبار الأغراض والغايات ، فيكون الغرض المطلوب في صدق اللفظ الموضوع على الموضوع له حيثيّة تقييديّة . وأمّا الخصوصيّات الخارجة عن الغرض فلا دخل لها في جوهر المعنى الموضوع له .
فمعنى الضلال - مثلا - هو العدول عن المنهج المستقيم ، والإضلال هو العدول بإنسان
هامش
( 1 ) . التوبة ( 9 ) : 127 .
( 2 ) . شفاء العليل ، ص 185 .
( 3 ) . النور ( 24 ) : 35 .
( 4 ) . الأصول من الكافي ، ج 1 ، ص 160 ، ح 12 . وفيه « لكن » بدل « بل » ؛ بحار الأنوار ، ج 5 ، ص 12 ، ح 18 .