منه سبحانه ؛ لأنّ المراد من العدل ما يمكن فعله بالعبد - على مزعمهم - والظلم هو ما يمتنع بالذّات و
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ .
« 1 » « 2 »
وقال طائفة من المفوّضة : إنّ مآل الآيات المشتملة على تلك العناوين المسندة إليه تعالى إلى أنّ القوم لمّا أعرضوا عن الاهتداء بما بعث به الرسل - صلوات اللّه عليهم - وتمادوا في غيّهم فصار ذلك كالطبيعة الثانية والسجيّة المضروبة عليهم فصار نفس ما اكتسبوا رينا على قلوبهم وإضلالا وسدّا بين أيديهم وهذا محض عدل منه سبحانه وليس فيه جور وظلم ؛ لأنّ العبد هو الذي ختم على قلبه مستقلّا - على مزعمة التفويض - في الحقيقة ، والشيطان أيضا فعل ذلك ولمّا كان اللّه تعالى هو الذي خلق العبد والشيطان وأقدرهما على ذلك وفوّض إليهما الأفعال ، نسب الفعل إليه تعالى ؛ لإقداره ، وإلى الشيطان ؛ لوسوسته في صدر العبد ، وإلى العبد ؛ لأنّه فاعل الفعل حقيقة ، ويكون الإسناد إلى الأوّلين مجازا من باب « كأنّ » لا « أنّ » .
والحاصل أنّ هناك ثلاثة إسنادات :
أحدها : الإسناد إلى اللّه عزّ وجلّ ؛ لإقدار العبد على الفعل .
وثانيها : الإسناد إلى الشيطان ؛ للوسوسة والدعوة إلى العصيان ، وهذان الإسنادان على سبيل المجاز .
وثالثها : الإسناد إلى العبد ؛ لأنّه الفاعل حقيقة ، فيكون الإسناد إليه على سبيل الحقيقة .
وقال طائفة من المفوّضة : بأنّ ذلك خلق اللّه تعالى وفعله ، ولكنّه عقوبة على كفرهم وإعراضهم فإنّه سبحانه يعاقب على الضلال المقدور بإضلال بعده ، ويثيب على الهدى بهدى بعده ؛ قال تعالى :
وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ
« 3 » وقال عزّ من قائل :
فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً
« 4 » وقال :
فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ
« 5 » وقال :
ثُمَّ انْصَرَفُوا
هامش
( 1 ) . الأنبياء ( 21 ) : 23 .
( 2 ) . شفاء العليل ، ص 186 .
( 3 ) . محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ( 47 ) : 17 .
( 4 ) . البقرة ( 2 ) : 10 .
( 5 ) . الصفّ ( 61 ) : 5 .