بإرادته إذا فرض منسوبا إلى جميع ما يحتاج إليه في وجوده من علم وإرادة وأدوات صحيحة ومادّة يتعلّق بها الفعل وسائر الشرائط الزمانيّة والمكانيّة كان ضروريّ الوجود ، وهو الذي تعلّقت به الإرادة الإلهيّة الأزليّة ، لكن كون الفعل ضروريّا بالقياس إلى جميع أجزاء علّته التامّة ومن جهتها ، لا يوجب كونه ضروريّا إذا قيس إلى بعض أجزاء علّته التامّة ، كما إذا قيس الفعل إلى الفاعل دون بقيّة أجزاء علّته التامّة فإنّه لا يتجاوز حدّ الإمكان ، ولا يبلغ البتّة حدّ الوجوب فلا معنى لما زعموه أنّ عموم القضاء وتعلّق الإرادة الإلهيّة بالفعل يوجب زوال القدرة وارتفاع الاختيار ، بل الإرادة الإلهيّة إنّما تعلّقت بالفعل بجميع شؤونه وخصوصياته الوجوديّة ومنها الارتباط بعلله وشرائط وجوده .
وبعبارة أخرى تعلّقت الإرادة الإلهيّة بالفعل الصادر من زيد - مثلا - لا مطلقا بل من حيث إنّه فعل اختياريّ صادر من فاعل كذا في زمان كذا ومكان كذا فإذن تأثير الإرادة الإلهيّة في الفعل يوجب كون الفعل اختياريا ، وإلّا تخلّف متعلّق الإرادة الإلهيّة عنها فإذن تأثير الإرادة الإلهيّة في صيرورة الفعل ضروريّا يوجب كون الفعل اختياريّا أي كون الفعل ضروريا بالنسبة إلى الإرادة الإلهيّة ، ممكنا بالنسبة إلى الإرادة الإنسانية الفاعليّة فالإرادة في طول الإرادة وليست في عرضها حتّى تتزاحما ويلزم من تأثير الإرادة الإلهيّة بطلان تأثير الإرادة الإنسانية ، فظهر أنّ ملاك خطأ المجبرة فيما أخطئوا فيه عدم تمييزهم كيفيّة تعلّق الإرادة الإلهيّة بالفعل ، وعدم فرقهم بين الإرادتين الطوليّتين وبين الإرادتين العرضيّتين ، وحكمهم ببطلان تأثير إرادة العبد في العبد الفعل لتعلّق إرادة اللّه تعالى به » . « 1 »
قوله قدّس سرّه : « فانبساط القدر والقضاء في العالم هو سريان العلّية التامة والمعلوليّة بتمامه وجميعه » هو الذي برهن عليه المصنّف رحمه اللّه في شرح الإشارات بقوله :
« لمّا كان جميع صور الموجودات الكلّية والجزئية التي لا نهاية لها ، حاصلة من حيث هي معقولة في العالم العقلي بإبداع الأوّل الواجب إيّاها كان إيجاد ما يتعلّق منها بالمادّة في المادّة على سبيل الإبداع ممتنعا ؛ إذ هي غير متأتّية لقبول صورتين معا فضلا عن تلك الكثرة وكان الجود الإلهي مقتضيا لتكميل المادّة بإبداع تلك الصور فيها وإخراج ما فيها بالقوّة من
هامش
( 1 ) . الميزان ، ج 1 ، ص 98 - 99 .