واستدلّ المصنّف قدّس سرّه على مختاره في الكتاب ، بأنّ التصديق القلبي فقط لا يكفي في تحقق الإيمان الشرعي ؛ لأنّه لو كان مجرّد العلم والتصديق إيمانا ، لكان فرعون وقومه من المؤمنين وقد قال تعالى :
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا
« 1 » ومثله قوله تعالى مخاطبا لفرعون :
لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
« 2 » فيدلّ على أنّ فرعون كان عالما بربّ السماوات والأرض كما أنّ التصديق والإقرار باللّسان فقط لا يكفي في ثبوت الإيمان ، بقوله تعالى في ردّ المدّعي للإيمان بصرف الإقرار باللسان ولمّا يدخل الإيمان في قلبه :
قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا
« 3 » .
فاستنتج من ذلك أنّ الإيمان هو التصديق بالقلب واللسان ، وأنّ العمل لا يكون جزءا من الإيمان . فحقيقة الإيمان هي تمكّن العلم باللّه واليوم الآخر والملائكة والكتب والرسل ، في القلب وهي شجرة طيّبة أصلها ثابت في القلب ولازمها إفاضة الثمرات الحلوة من الطاعات وترك المحذورات . وبذلك تعرف سقوط القول بأنّ الإيمان فعل الطاعات أو بأنّه مركب من التصديق بالجنان ، والإقرار باللسان ، والعمل بالأركان .
نعم ، إنّها من ثمرات شجرة الإيمان لا من أصل الشجرة كما أنّ كثيرا من أحوال القلب والمقامات تكون كذلك كما يظهر من الآية الشريفة أنّ الإسلام هو الإقرار باللسان فقط .
« والكفر عدم الإيمان إما مع الضدّ أو بدونه ، والفسق الخروج عن طاعة اللّه مع الإيمان به ، والنفاق إظهار الإيمان وإخفاء الكفر ، والفاسق مؤمن لوجود حدّه فيه » .
قد عرفت في البحث المتقدّم أنّ الإسلام هو الإقرار باللسان فقط بالتوحيد والنبوّة ، ولا ريب في التقابل بين الإسلام بهذا المعنى والكفر . والظّاهر أنّ التقابل بينهما هو تقابل الملكة والعدم ، فيكون الكفر هو فقد الإسلام عمّن من شأنه أن يتّصف به ، وهذا هو المرتكز في أذهان المتشرّعة أيضا ، فمن شهد بالتوحيد والنبوّة ، فهو مسلم يجري عليه أحكام الإسلام ومن لم يشهد بهما ، فهو كافر سواء اعتقد ضدّ الأصلين أو لم يعتقد بل كان شاكّا في اللّه ورسوله فإنّه مقتضى الآية . ويدلّ عليه الصحيح من الرواية ففي الصحيح عن
هامش
( 1 ) . النمل ( 26 ) : 14 .
( 2 ) . الإسراء ( 17 ) : 102 .
( 3 ) . الحجرات ( 49 ) : 14 .